القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

حلمي حلمك - الفصل الخامس

  

(5)

لا تتعجل الإعجاب فللحقيقة وجهين، وكذلك للناس



 (عام 2018)

قطع عليها تأملها بضع طرقات على باب المكتب من السكرتيرة لتخبرها ان إحدى الموظفات تريد مقابلتها، فأذنت أسيل لها بالدخول. دخلت الموظفة وكانت في العقد الثالث، بيضاء البشرة، متوسطة الطول، متوسطة الجسم، ترتدي زي عاملات المصنع وتغطي شعرها بوشاح وتظهر من تحته خصلة شعر سوداء. كانت هادئة الطباع وملامحها تعطي من يراها شعور بالارتياح.  تقدمت حتى وقفت أمام مكتب أسيل ثم قالت 

- سيدتي، اسمي هناء وقد ترددت كثيرا في المجيء إلى هنا لكن!!!

- لكن ماذا؟

- أريد أن أخبرك شيئا، لكن أخشى منهم أن يفعلوا بي شيئا.

قالت أسيل باهتمام

- من هم ؟

- إنهم يسعون لتحطيمك وتحطيم المصنع؟

- ماذا؟  أتعلمين ما الذي تتفوهين به وما يعنيه من خطورة؟

- اعلم وترددت كثيرا قبل ان أحضر اليك. أخشى أن يقتلوني يا سيدتي، فقد أرادوا أن اشترك معهم بفعلتهم القذرة، وهددوني بقتلي وقتل طفلتي الصغيرة التي لا احد لها سواي.

طلبت أسيل منها الجلوس ثم قالت

- على ماذا اتفقوا ومن هم ؟

- لا اعرف من هم بل تواصلوا معي من خلال عامل بالمصنع كانت بيننا علاقة، اتفقوا على سرقة جميع ماكينات المصنع ومن ثم حرق المصنع، وبذلك لا يمكن الوصول للحقيقة.

قالت أسيل بشيء من الاقتضاب.

- من هو؟

- كان لنا زميل يعمل هنا وتقرب مني وللأسف أحببته وصدقته فيما قال وظننته صادقا ومخلًصا وانه سيكون لابنتي أبا بديلا عن ابيها الذي فقدناه، وتزوجنا عرفيا، وبعد فترة من زواجنا بدأت أخلاقه تتغير وأهمل في العمل وتم فصلة من هنا وتركني فترة أنا وابنتي لأكثر من خمسة أشهر ثم ظهر مرة أخرى في حياتنا وظننته كما قال انه عاد بعد أن تحسنت ظروفه ووجد عملا أخر. بدأ يسألني عن المصنع وطلب مني أن أتعاون معه ومع من يعمل معهم لكي يقوموا بسرقة المصنع، وليس علي إلا أن اخبرهم ببعض الأمور داخل المصنع. مواعيد الورديات وأشياء من هذا القبيل، ولما رفضت وأعربت له عن استيائي من تفكيره وأنني خُدعت فيه ولا اريد ان اطعم ابنتي من حرام وجدته يثور ويعتدي علي بالضرب ويهددني إن لم أفعل فسوف تقتله العصابة التي يعمل لصالحها وتقتلني كذلك وتقتل ابنتي وهو لا يستطيع أن يرفض لهم طلب لأنهم يعطونه المخدرات التي يتناولها ولا يستطيع ان يتخلى عنها.

تستطرد وهي تبكي بشدة

- انهم سيقومون بسرقة المصنع ثم حرقه بعد أسبوع واحد فقط من الأن وينتظرون مني بعض المعلومات.

جففت دموعها ثم استطردت

- سيدتي لقد اخبرتك وبذلك أصبحت حياتي وحياة ابنتي بخطر.

-  لا تقلقي سأحميك، لكن هل أنتِ متأكدة من هذه المعلومات؟

- نعم متأكدة، وسيتم ذلك بعد أسبوع من الآن كما اخبروني عندما ظنوا انني سوف اتعاون معهم.

- أكملي عملك الآن وعند الانصراف لا تذهبي إلى منزلك مباشرة، انتظريني بسيارتي، سوف تجدين عزيزة هناك تنتظرك  في السيارة.

- حسنا سيدتي.

كانت أسيل تفكر ماذا ستفعل ثم تمتمت "هل هذه المرأة صادقة، أنا أصدقها لماذا تفتعل حادثة مثل ذلك".

أخرجت هاتفها ثم بحثت عن اسما مسجلا تعرفه تماما وتمتمت " ليس أمامي إلا اللواء حلمي صديق خالي رحمه الله". ظلت تنتظر الطرف الاخر حتى سمعت صوتا تألفه فقالت بارتياح

- كنت اخشى الا تعرف رقمي او تكون مشغولا (صمتت لبرهة تنتظر)، ليس لي سواك فأنت بمقام خالي (صمتت لبرهة تنتظر) هذا المتوقع من سيادتك (صمتت لبرهة تنتظر ثم تبتسم)، سأحكي لك الامر باختصار.

ثم بدأت تقص عليه كل كلمة قالتها هناء.

ضغطت مفتاح على مكتبها ثم دخلت السكرتيرة بعد لحظات فطلبت منها ان تخبر مدير الأمن بالمصنع انها تريده على وجه السرعة. بعد دقائق استأذن مدير الامن ليدخل وأذنت له أسيل وكان رجلا في العقد السادس، قمحي البشرة، طويل القامة، يتمتع بجسد رياضي، لا تظهر عليه علامات  تقدم العمر عدا تحول جزء من شعره إلى اللون الأبيض بينما هو حليق اللحية، ملامحه حادة بعض الشيء. ابتسمت أسيل برقة وقالت وهي تتحرك من خلف مكتبها وتتجه لتصافحه بينما هو صافحها برقة لا تدل عليها أبدا ملامحه :

- مرحبا عمي عصمت، وأعلم أنك تفضل التعامل الرسمي هنا في المصنع، ولكن كلمة عمي تشعرني بالأمان أكثر فأنا فعلا خائفة.

- لا تخافي من شيء وأنا موجود يا ابنتي فأنا بجانبك لأشعرك بالأمان فلا تخشي شيئا، تفضلي خلف مكتبك وقصي علي مخاوفك.

بدأت أسيل في الحديث بنوع من الهدوء المصطنع وأخبرته بما دار بينها وبين هناء منذ قليل. استمع اليها ثم بدأ حديثه

- هناك أمران، إما أنها صادقة وبالفعل هناك مؤامرة وإما أنها تقول ذلك لتتقرب منك وتكون هي مصدر الخطر لك.

- لم افكر في الاحتمال الثاني ابدا

- تعلمين اني رجل امن في المقام الأول وقد قضيت ما يقرب من الاربعين عاما أتعامل مع قضايا مختلفة ورأيت ما لم يخطر ببال افضل كاتب روايات أو مؤلف سينمائي.

- وفي الاحتمالين ، ماذا سنفعل؟

- هل أخبرتِ اللواء حلمي بالأمر؟

- بالطبع

- وهل قال ماذا سيفعل ؟

- لا، اخبرني أنه سينسق معك الأمر، وطلب مني اخبارك على الفور.

- حسنا، سنتحرك على الفور، سأطلب قوة أمنية تحمي المصنع من اليوم وقوة أخرى تحمي منزلك، بينما سأطلب زيادة أعداد الأمن الخاص المصاحب لكي من شركة الأمن وأعداد أخرى للحماية والتأمين من الداخل. بالتأكيد سيقوم اللواء حلمي بطلب ملفات العاملين الذين تم فصلهم لعمل تحريات عن العامل الذي تحدثت عنه هناء.

- والاحتمال الآخر الذي اخبرتني به عن ان هناء...

قاطعها مدير الأمن

- سأتحدث إليها و بخبرتي سأعرف الحقيقة. اعلم الان انها تنتظر بسيارتك أمام المصنع

- نعم، قد طلبت منها ذلك لنذهب الى منزلها لإحضار ابنتها التي تركتها مع جارتها وأغراضها فبالتأكيد هي الآن بخطر ويجب ان احميها

- وهل تفكرين ان تأخذيها للإقامة معك بالمنزل؟

- نعم

- اقدر شعورك ولكن هذا فيه خطر عليك. ألا يوجد مكان اخر تقيم فيه ونقوم بتأمينه بحراسة خاصة، لكي تكون آمنة من ناحية وليست قريبة منك من ناحية أخرى حتى نأمن جانبها.

-  الفيلا المجاورة لفيلتي  لكنها مهجورة.

- ستأخذ وقت لإعدادها، دعينا نقرر بعد لقائي بها، ارجوا ان تنتظرين خمسة عشر دقيقة ثم تخرجين إلى السيارة.

خرج اللواء (سابقا) عصمت شاكر مدير الأمن من مكتب أسيل واتجه على الفور إلى سيارة أسيل وجلس بجانب هناء في الخلف وظل يحدثها ما يقرب من عشرة دقائق، يستجوبها تارة ويهددها تارة اخرى ويضغط عليها ثالثة حتى اجهشت بالبكاء وظلت تقسم كثيرا، ثم خرج من السيارة ووقف لبضع ثوان قبل ان تخرج أسيل من المصنع وقابلها ودار بينهما حديث قصير

- هل تأكدت من صدقها؟

- نعم، بالفعل هي صادقة وقد استخدمت معها أساليب مختلفة، انها مسكينة ولكن سأقوم ببعض التحريات عنها وقد عرفت منها بيانات الشخص الذي تتحدث عنه.

وقد استدعيت أمن خاص من شركة حراسة قريبة منا و ستصحبك لمنزل هناء ثم إلى الفيلا ولا تتحركٍ إلا بالحراسة حرصا على حياتك.

- وماذا بالنسبة لمبنى المصنع والشركة ؟

- ستصل الان قوة تأمين أخرى (ارتفع رنين الهاتف فينظر إليه عصمت ثم يستطرد) هذا اللواء حلمي وبالتأكيد يحدثني كي ننسق الامر سويا.

- حسنا سنتوجه الآن لمنزل هناء

قالتها أسيل واستقلت السيارة وانطلقت بها وخلفها سيارة الحراسة. ساد الصمت دقائق ثم قطع الصمت سؤال أسيل

- أين مكان سكنك يا هناء؟

وصفت لها المكان وبعد بضع دقائق أوقفت السيارة وخرجن جميعا. دخلن البيت القديم الذي أوشك على السقوط. وقفت هناء أمام شقة جارتها العجوز، وأخذت منها الطفلة وشكرتها، دخلت إلى شقتها وبدأت تجمع أغراضها وأغراض طفلتها بسرعة كما أمرتها أسيل وحين انتهت خرجت وصعدت السيارة وكانت أسيل تنتظرها مع عزيزة و انطلقت بهم السيارة تلتهم الشوارع لتصل إلى الفيلا. 

التنقل السريع