14
الحب ليس قرارا يؤجل، إنما شعورا
بالاختطاف إلى عالم المحبوب
في اليوم التالي ذهب عصام إلى المدرسة لمقابلة المدير كما طلب منه في آخر لقاء. وصل عصام إلى فناء المدرسة وفي أثناء طريقه إلى المكتب شاهد علاء حسني صديقه وزميله القديم فهرول إليه وشاهده علاء فأسرع فاتحا ذراعيه ليعانقه
- عصام، أخي وصديقي، كيف حالك، تُسعدني رؤيتك
-علاء، أخي العزيز، غمرتني السعادة عندما رايتك
مرة أخرى، كيف حالك
تبادل الأصدقاء الحديث عن الأحوال
والأصدقاء القدامى ثم أضاف عصام
- أشكرك يا صديقي على المقدمة الرائعة التي
قدمتني بها إلى المدير، فقد أخبرني بثنائك علي
- هذا حقك، وما قلته إلا قدرك وأقل بكثير،
فنعم الأخ والصاحب والزميل، لا أنسى مواقفك الجميلة مع جميع أصدقائنا وسعيك الدؤوب
إلى إصلاح المجتمع حولك.
- هذا إطراء جميل منك ولكنك تعطي الأمور أكبر
من حجمها
- صديقي العزيز، لا ينكر مجهودك وإخلاصك مع
الجميع إلا حاقدا
- أخجلتني بثنائك هذا
ثم أخذه علاء من يده وتوجه به إلى
زملائه المعلمين وسأله
- هل تعرفت على جميع زملائنا
- بل البعض فقط
قدمه علاء إلى زملائه وزميلاته ممن
يعرفهم عصام بالفعل ومن لا يعرفهم وظلا يتجاذبان أطراف الحديث ثم تركه عصام ليتوجه
إلى مكتب المدير ووعده بالرجوع إليه ليكملا حديث الود الذي لا ينتهي بينهما. وصل
إلى مكتب المدير. دخل إلى الغرفة، لم تكن فخمة بتكلف بل كانت بسيطة ومناسبة. يقع
مكتب المدير في مواجهة باب الغرفة وأمامه يوجد كرسيين استقبال. رحب المدير بعصام
واستقبله استقبالا حارا وكأنه صديق حميم أو زائر ذو أهمية كبيرة. بدأ حديثه
بالثناء عليه وذكر المعلومات التي عرفها عن عصام ثم دخل في الموضوع مباشرة إذ حدثه
عن المشكلات التي تواجه المدرسة وخاصة بين الطلاب وطلب منه أن يقوم بمساعدة
الإخصائية الاجتماعية بالمدرسة الأستاذة دينا في حل هذه المشكلات بصفته على دراية
بسلوكيات الطلاب بحكم عمله وتخصصه وكذلك لقيامه بهذا الدور من قبل في مدرسته السابقة.
رحب عصام بالفكرة خاصة بعد أن أخبره المدير أن فصول القسم الثانوي قليلة في
المدرسة وبالتالي لن يتعرض لضغط العمل لأن مادتي علم النفس والفلسفة التي يتخصص
فيهما عصام لا يتم تدريسهما إلا في المرحلة الثانوية. أعرب المدير لعصام أن هذا
الطلب يعد اختياريا ولعصام الحق في الرفض أو القبول وأنه يعد طلبا شخصيا من المدير
لمساعدته في حل مشكلات خطيرة في المدرسة. استفسر عصام عن هذه المشكلات فأخبره
المدير أن أهمها هو مشكلة التنمر التي تعاني منها غالبية المدارس وتعد ظاهرة خطيرة
تفشت فيها.
قال عصام للمدير إنه على أتم استعداد
للمساعدة في هذا الأمر ولكن بشرط ألا يتدخل أحد في عمله مهما كان، ووافق المدير
على هذا الشرط وسأله عن خطة مقترحة لمواجهة هذه المشكلة فشرح له عصام بعض النقاط
وأخبره أنه سيقوم بإعداد ملف كامل بالخطة المقترحة للقضاء عليه وأوضح أنه يريد
تعاون جميع المعلمين معه لأن الخطة تشمل خطوات تتم داخل الفصل أكثر مما يتم داخل
غرفة الإخصائي الاجتماعي. وافق المدير على طلبات عصام ووعده أن يجتمع مع جميع
المعلمين في بداية العام الدراسي ويلزمهم جميعا بالتعاون معه. طلب عصام أيضا
اطلاعه على المشكلات التي ظهرت العام الماضي، فأعطى له المدير ملف به تفاصيل كثيرة
عن معظم مشكلات التنمر التي واجهت إدارة المدرسة، وطلب منه أن يطلع عليه في منزله
بهدوء وتمعن، وأن يأتيه بالخطة كاملة مع أول يوم في العام الدراسي. رحب عصام بطلب
المدير واخذ الملف وكان على وشك الانصراف لولا أن دخلت فتاة في منتصف العقد
الثاني، بيضاء البشرة، متوسطة الطول، أضافت عينيها الخضراوين وشعرها الأصفر الذهبي
إلى ملامحها مزيدا من الجمال والجاذبية. أسرع المدير في تقديم عصام لها بينما هو
غارق في بحر عيونها وأمواج جاذبيتها حتى أنه لم يسمع ما قاله المدير الذي كرر
نداءه (عصام، عصام) أكثر من مرة حتى أخرجه من حلمه الجميل. لاحظت هي ذلك فابتسمت
ثم اقتربت منه ورفعت عنه حرج ما فاته من تعريف المدير لها ومدت يدها وقالت له
-دينا، الإخصائية الاجتماعية بالمدرسة
أطبق عصام على يدها برقة وهو يقول
-عصام، أستاذ الفلسفة وعلم النفس
أفلتت يدها من بين يديه وما كانت
لتفعل وتترك هذا الدفء الذي شعرت به
- اذن أنت زميلي الجديد في حل مشكلات المدرسة
- من حسن حظي الذي ابتسم لي أخيرا
قالها همسا حتى إن المدير لم يسمعها
أشاد المدير بمجهود دينا في العام
الماضي لحل المشكلات التي قابلتهم، وأبدى سعادته بوجود عصام بينهم وعَوّل عليه
كثيرا لحل مشكلات كثيرة وتخفيف العبء عن دينا، بينما اعترفت هي أن هناك الكثير من
المشكلات التي لم تستطع أن تحلها وتخشى تفاقمها إن لم يجدوا لها حلا هذا العام
ولكن عصام تدخل بعد أن قاوم رغبته في الغرق مرة أخرى بينما لاحظت هي تلك الرغبة
فأطالت النظر إليه وحاولت اختراق عينيه لتعلم مكنونه وماهيته. قال عصام إن العمل
سيكون بشكل جماعي داخل المدرسة ولن يجدي مجهود اثنين أو ثلاثة وأضاف أن الأسرة
مسئولة عن هذا العلاج ومشتركة فيه ويجب أن يتعاون الجميع للخروج بالطلاب إلى بر
الأمان. انتهى النقاش بينما لم ينتهي لقاء عصام ودينا إذ أكملا مناقشة الموضوع بعد
أن غادرا مكتب المدير. أوشك الرحيل أن يقطع حبل النظرات الذي امتد بينهما بينما
جاهدا أن يركزان في الحديث وكان عصام يفتش في يديها بعينيه ليرى أن كانت مقيدة
برباط مقدس أم مازال قلبها حرا، لاحظت هي ذلك فأظهرت كلتا يديها بطريقة غير مباشرة
لتريحه من عناء البحث في يديها ولاحظ هو ذلك فابتسم. شعر بالارتياح من هذا الفعل
الذي يدل على ترحيبها بأن يقتحم حياتها ففتحت له الباب لتشجيعه على ذلك فسألها عن
مكان سكنها فأطربت مسامعه بقولها إنها تسكن بالهرم فداعبها قائلا
- تسكنين بالهرم
- نعم
- بجانب خوفو أم خفرع
فضحكت حتى ظهرت أسنانها وعادت
برأسها إلى الخلف، وتبادلا الحديث وعرض عليها أن يوصلها في طريقه فرحبت أن يركبا
معا سيارة الأجرة. لم يشعرا إلا وقد اقترب اللقاء على الانتهاء واقترب بيتها،
وأعربت عن امتنانها من هذا اللقاء وطلب عصام أن يوصلها للبيت فأبت حتى لا يتسبب
لها ذلك في أي مشكلات وتفهم عصام ما لمحت إليه. غادرت السيارة ولم تغادر خلده فظل
يتذكر ابتسامتها ويبتسم حتى لا حظ أحدهم ذلك وكان رجلا في العقد الرابع من عمره،
متوسط الطول، قد زحف الشيب على بعض من شعره فأكسبه وقارا وأضاف إليه وقارا أنه
يرتدي العوينات الطبية الخفيفة فقال دون مقدمات تستحق فنظر إليه عصام وقد أدهشته
الكلمة فقال للرجل
- ماذا تقصد
فرد عليه بابتسامة
- أقصد أن الحياة تستحق، تستحق أن نحياها في
كل لحظة، نستمتع بها، تستحق أن نحب وأن نُحِبّ، أن نستمتع بالحب، أن نكون الاختيار
الأول في حياة من نحب. الحياة جميلة إن استمتعنا بها كما يجب. لا تدع أحدا يختطف
السعادة منك، ولا تنتظر أحدا يمنحك إياها فالسعادة لا تستورد بل تولد من داخلنا،
تمسك بمن يهبك السعادة فهو يهبك الحب أيضا، إن الأحباب هدية عظيمة يمنحونا بهجة لا
تنضب وسعادة لا تنقطع وفرحا لا ينام فلا تضيعهم من يدك.
- برغم دهشتي من كلماتك المفاجئة إلا أنها
أعجبتني، لخصت كثيرا من حكم الحياة. لقد تعمدت أن تبهرني
- لا، ونصيحتي لك ألا تحاول أن تُبهر أحدا،
كن على طبيعتك فبالتأكيد طبيعتك باهرة للشخص المناسب لك.
- صدقت، ولكن لماذا لا أحاول أن أبهر من أحب
حتى أجذبه لي
- لأنك عندما تحاول أن تُبهر الآخر تبذل جهدا
إضافيا ولن يستمر هذا الإبهار طويلا وعندما تعود لطبيعتك سيجدك مختلفا ويلومك على
ذلك ويضيع انبهاره بك
- صدقت، شرفت بمقابلتك، ولكن استأذنك فقد حان
وقت نزولي المحطة القادمة
- حسنا، سأنزل معك فأنا أيضا اسكن بنفس المنطقة
أخرج الرجل بطاقة تعريفية مدون بها
من أعلى اليمين دار نشر تدوين وعلى اليسار يوجد شعار الدار ثم تحت هذا السطر في
المنتصف يوجد اسم الرجل هشام فهمي السيد، مترجم وكاتب ومدير النشر، رقم هاتفه
والبريد الإلكتروني. أخذ عصام البطاقة بابتسامة وأعطاه بطاقته التعريفية. غادرا
السيارة ثم تصافحا وافترقا. تعجب عصام من ترتيبات القدر ثم نظر إلى الملف الذي
أعطاه المدير إياه وهو في يده وتمتم يبدو أن الأمر صعبا
