15
إخفاء الحقيقة أو جزء منها يضعنا في
موقف ضعيف
غادر خالد المديرية بسيارته متجها
إلى مكان الجريمة واتصل بمشيرة وطلب منها أن تقابله بالشركة ووافقت على الفور.
سيطر عليه شعورا بأن مشيرة تخفي شيئا، يستطيع قراءة الأحرف الأولى من كتابها ولكن
يصعب عليه قراءة باقي الكلمات، يعلم أنه مضطرا أن يصبر قبل أن يضطر إلى انتزاع
الكلام منها رغما عنها، أن هذا الأسلوب يبغضه ولا يحب أن يلجأ إليه. نظر إلى
السماء أمامه فوجدها ملبدة بالغيوم ولكنها لم تستطع أن تحجب الشمس الخجولة التي
تظهر على استحياء خلف هذه الغيوم. قال خالد لنفسه متمتما رغم الصورة غير المبشرة
ولكن لننظر إلى نصف الكوب الممتلئ، فرغم الضباب تقاوم الحقيقة للخروج ثم نظر لنفسه
في مرآة السيارة وضحك وقال لقد أصبحت شاعرا، والفضل لك حبيبتي، جعلتيني اقرأ لأجد
كلاما جميلا أقوله لك مثل الذي أسمعه منك، فالحاجة أم الاختراع. وصل خالد إلى مكان
الشركة ودخل فوجد مشيرة وصابر المحاسب، نظرت إلى الأرض بينما ظل خالد ينظر إليها
يراقب انفعالاتها. حياهما وجلس فسأله صابر عن شرابه المفضل فطلب شاي وذهب صابر
لإحضاره فقالت مشيرة.
- مرحبا يا أفندم
ظل خالد ينظر إليها لثوان ثم قال
لها بابتسامة
- مرحبا يا أستاذة مشيرة، هل أبلغت صابر أم
كان متواجدا مصادفة
- لقد أصر صابر ألا يتركني أحضر بمفردي فهو
مثل والدي ويخشى على
- لا مشكلة إطلاقا أريد أن أسألك بعض
الأسئلة.
في نفس الوقت حضر صابر المحاسب
بالشاي فقال له خالد
- هل تعلم أن المرحوم سحب مبلغا كبيرا من
البنك قبل الحادث؟
- لا، لم أكن على علم بذلك
- ألم يخبرك بوجود صفقة كبيرة سيقوم بها؟
- لا، وهذه أول مرة لا أعلم بتفاصيل صفقة
كهذه
- ألم تلاحظ أي شيء غير طبيعي على المجني
عليه في الفترة الأخيرة، مثل القلق، العصبية، الخوف
- لا
- هل لديك أولاد يا صابر؟
- نعم، بنتين
- بارك الله لك فيهن، منذ متى وأنت تعمل مع
الحاج إبراهيم؟
- منذ خمس سنوات تقريبا، عمر الشركة
- وقبل ذلك، فيما كنت تعمل؟
- في شركة حكومية وسويت معاش مبكر واتجهت إلى
العمل الخاص
- كيف عرفت الحاج إبراهيم رحمه الله
- تعرفت عليه عن طريق أحد الأقارب الذي كان
صديقا للمرحوم
- قبل الشركة، فيما كان يعمل الحاج إبراهيم؟
- ما أعرفه أن الحاج إبراهيم كانت لديه شركة
تعمل في نفس المجال وقام بتصفيتها قبل أن يفتتح هذه الشركة بعام
- لماذا
- لا أعلم السبب، ولكن بحكم عملي كمحاسب فإن
شركات كثيرة تلجأ إلى ذلك تجنبا للضرائب، وربما يغيرون اسم صاحب الشركة واسم
الشركة نفسها في الأوراق الرسمية ويبقى هيكل الشركة الإداري كما هو
ثم اتجه خالد إلى مشيرة بالأسئلة
- بما تفسرين أن القاتل كتب كلمة خيانة على
الحائط بدم القتيل؟
ردت بشيء من العصبية
- لا أعلم، أنا لا أعرف
- من أي كلية تخرجتِ؟
- تخرجت من كلية التجارة، قسم محاسبة
- فلماذا لم تعملي بالمحاسبة في الشركة بدلا
من وظيفة سكرتيرة؟
- لقد كنت مديرة المكتب وليس مجرد سكرتيرة
- لا تغضبي، أنها مجرد أسئلة، أن كلماتك
قليلة وأحاول ان اجد اى معلومة ولو صغيرة ربما تكشف لنا طريقا للوصول الى الحقيقة
- حسنا يا افندم، اعتذر ان انفعلت
- حسنا، انتظري سأعود، سأتفقد الشركة
والعمارة وارجوا ألا ينصرف أحد.
قام خالد في صمت وتفقد الشركة، نظر
إلى مكتب مشيرة وتفحصه جيدا ثم تفحص أركان الشركة والسجاد وغرفة داخلية في الشركة
ومطبخها وأيضا الحمام ثم اتجه إلى المخزن وقام بتصوير الأجهزة التي فيه وطلب بيان
بالأجهزة الموجودة من صابر ومشيرة ثم شرع في طلب عبد الجواد واصطحبه إلى سطح
العمارة ولم يستقل المصعد بل فضل أن يستخدم السلالم وكان يتفحص كل دور جيدا وكذلك
باب كل شقة حتى وصل إلى شقة القتيل فوجد عليها الشمع الأحمر وتفحص بابها جيدا. صعد
إلى سطح العمارة فوجد باب السطح مفتوح كما تركة الجاني، فحصه خالد جيد ثم سار ببطء
على سطح العمارة فوجد آثار أقدام كثيرة واضحة فوق رمال على السطح. وجد عدد كبير من
أطباق الدش موجودة على السطح فنظر إليها ثم التفت إلى عبد الجواد وسأله عن صاحب
أكبر الاطباق فأخبره أنه كان يخص المرحوم لأنه كان يحب القمر الأوروبي وقنواته
وكان عبد الجواد يبتسم وهو يقول ذلك. قفز خالد بخفة من سطح العمارة إلى سطح
العمارة الأخرى وكان بينهما سور صغير منخفض ولاحظ أن سطح العمارة الأخرى دون باب.
استفسر خالد من البواب فأخبره أن العمارة لم يكتمل بناؤها ولا يوجد بها سكان وهي
مفتوحة طوال الوقت ولكن لم يحدث أن تعرضت العمارة لأي سرقة من قبل سوى المحاولة
التي أخبره بها من قبل. وقف خالد لبضع دقائق وقال لعبد الجواد
- هل ذاكرتك حديد يا عبد الجواد؟
- نعم يا أفندم
- حسنا، لو قلت لك من كان يتردد على المجني
عليه غير العاملين في الشركة هل تستطيع أن تتذكر؟
استغرق عبد الجواد بعض الوقت
- المرحوم كان لا يحب الاختلاط وكان لا
يستقبل أحدا بشقته كثيرا ولم يتردد عليه إلا العاملين بالشركة حتى الأستاذ جابر ظل
يتردد عليه بعد أن ترك الشركة
قال خالد باهتمام
- من جابر هذا؟
- لقد كان يعمل مع الحاج إبراهيم وترك الشركة
- متى رأيته آخر مرة؟
- منذ شهر تقريبا
- لماذا لم تتحدث عنه من قبل؟
- لان حضرتك سألتني من كان يتردد على المحني
عليه وأنا نسيته لأنه لم يزوره منذ شهر تقريبا
- هل تعلم لماذا ترك الشركة؟
- لا
- هل تعرف أين كان يقابل الحاج إبراهيم
أصدقائه إن لم يقابلهم بالمنزل
- لم يكن له أصدقاء، وكان يقابل أي ضيف إما
بمكتبه بالشركة أو على المقهى المقابل للشركة أو لو كان الضيف عزيزا عليه كان
يقابله بالشقة ويطلبني لأكون حاضرا لأجهز لهم ما يطلبونه من مشروبات
- صف لي جابر هذا يا عبد الجواد.
- كان طوله متوسط، مثلي، كان أبيض البشرة ومجعد
الشعر، وشعره مائل للون البني
- ماذا كان يرتدي في أغلب الأحيان، هل يلبس
قميص مثلا أم تي شيرت؟
- كان دائما يرتدي تي شيرت وسروال جينز
وكوتشي
- من غيرة يرتدي الكوتشي من العاملين؟
- أظن أن كاسب ونجاح يرتدون الشبشب والأستاذ
صابر يرتدي حذاء جلدي والأستاذة مشيرة ترتدي حذاء حريمي
- أنت دقيق جدا يا عبده، ما شاء الله عليك؟
يضحك عبد الجواد لان خالد قال له
عبده واثني عليه
- هذا عملي أن احفظ من أراه، ماذا يلبس، ماذا
يأكل ماذا يحب، حتى أقوم بتلبية متطلباته ويكون ممتنا مني
أثنى عليه خالد مرة أخرى ثم اصطحبه
إلى العمارة الأخرى ونزل من سلالمها ثم قام بتحسس سلاحه وشرع يتفحص شقق العمارة
الخالية. كانت الشقق بلا أبواب. ظل خالد يتفحص الشقق وخلفه عبد الجواد الذي أصابه
الرعب عندما تحسس خالد سلاحه، وفجأة ابتسم خالد عندما وجد اللاب توب محطم وكذلك
الهاتف المحمول الخاص بالقتيل فتمتم لقد توقعت أن يكون الجاني قد تخلص منهم هنا
حتى لا يكون ملفتا للنظر إذا صورته أحد الكاميرات وهو يسير بالشارع. طلب خالد من
عبد الجواد أن يحضر له كيس بلاستيك فغاب عبد الجواد دقائق ثم عاد سريعا بما طلب
خالد فقام الأخير بإمساك اللاب توب والمحمول بمنديل ووضعهما معا داخل الكيس ثم وجد
آثار لشخص في أحد أركان الغرفة، اقترب خالد فوجد اثر له كأنه كان يعاني أو أنه
تعثر ولكن لم يجد أي شيء يؤكد على ذلك. أنهى خالد مهمته فنزل إلى الشارع الخلفي
التي تطل عليه العمارة ويطل بابها عليه ثم سار في الشارع وكانت القمامة كثيرة جدا
والشارع شبه خالي فقال عبد الجواد على الفور عندما لاحظ أن خالد يريد أن يسأله عن
سبب ذلك المنطقة جديدة يا أفندم، وعدد السكان قليل جدا بها ولذلك يستغل الناس ذلك
ويجمعون القمامة بها هز خالد رأسه تفهما ثم أكمل سيره وهو ينظر يمينا ويسارا ثم
سأل عبد الجواد عن طريق العودة إلى العمارة من أقرب طريق فدله على شارع جانبي قريب
فاتجها إليه. وصل خالد ومعه عبد الجواد إلى الشركة ثم دخل خالد وشكر عبد الجواد
وطلب منه أن يتجه إلى بوابة العمارة ليباشر عمله. دخل خالد إلى الشركة وسأل مشيرة
- أخبرتني أن الحاج إبراهيم لم يكن يطرد أحد
من العمل ولم يعمل معه أحد وتركة من قبل، أليس كذلك؟
- بلى
- وماذا عن جابر؟
ارتبكت مشيرة وقالت بعد أن قامت
بتعديل وضع وعيناتها الطبية
- لقد ترك الشركة بإرادته ولم يطرده الحاج
إبراهيم وقال له إن الشركة مفتوحة لك في أي وقت تريد
- لماذا لم تخبريني عنه عندما سألتك عن
العاملين وعن وكل ما تعرفيه؟
- لقد نسيت، اعذرني أن الموقف صعب
- حسنا لا عليك، شكرا لك، سوف أنصرف الآن
قامت مشيرة وصاحبت خالد إلى السيارة
وهي تسأله عن الوضع القانوني للشركة بعد وفاة الحاج وهل سوف تستمر أم لا. أجابها
- إنها مسائل قانونية وفي حدود معلوماتي فإن
الأمر يرجع إلى ابنه المسافر إلى أمريكا، فإذا أراد استمرار الشركة وأن يظل
بالخارج فعليه عمل توكيل لشخص آخر يقوم بإدارتها
ظهرت الحيرة على وجه مشيرة
وأضاف خالد
- أنا لا أعتقد أن ابنه من الممكن أن يلجأ
إلى هذا، والأكثر واقعية أن يغلق الشركة ويقوم بتصفية ممتلكاته ويعود للإقامة
بأمريكا، فمن يتعود على السفر، خاصة وهو شاب، لا يجد راحة في العودة؛ اختلاف
الطباع والعادات والناس والمعتقدات يؤدي إلى اختلاف عقلية الإنسان الذي تعود
عليها. أظنه تعود على الإقامة هناك.
نظر إلى مشيرة فوجدها حزينة فأضاف:
- اعلم أن كلماتي ربما تزعجك وتسبب لك حزنا
ولكن يجب عليك مواجهة الواقع
ردت مشيرة وقد أضفى الحزن على صوتها
مسحة شجن:
- لا عليك يا أفندم
شكرها خالد وانصرف، خبرته بالناس
تقول إنها تخفي شيئا، ولكن مثل هذه الملامح لا تؤذي أحدا، بل لا تفكر في الإيذاء
مطلقا. هذه خبرته بالحياة التي تتكلم ولكنه يترك صوت حسه الأمني يعلو فوق أي إحساس
آخر. لابد أن يشك في الجميع حتى يصل إلى الحقيقة. استقل سيارته وانطلق بها في
طريقه إلى المديرية بينما انطلقت أسراب النحل تدور في رأسه ويسيطر طنينها على
أذنيه. ظل خالد في هذه الحالة حتى وصل إلى المديرية.
