القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

خريف يتهادى - الفصل السادس عشر

 16

في ركن صغير بين الإهمال والجهل أعيش حياة بلا حياة

 

تشابكت الأفكار في رأس عصام وهو في طريقه إلى المنزل وأفكاره تأخذه يمينا ويسارا حتى رست سفينة أفكاره على شط دينا؛ تذكر ابتسامتها الجميلة وطلتها الجذابة وشخصيتها المتزنة. قاطعه صوت الأطفال يطاردون نصر وهو يهرب منهم فوقف عصام وأمسك بأحدهم وكان على ما يبدو زعيمهم وقال له

- انتظر أريد أن أتكلم معك

- ماذا تريد، اتركني

- سأتركك، أريد أن أتكلم معك رجلا لرجل، هل أنت رجل؟

- نعم أنا رجل

- حسنا سأتركك ولا تهرب مثل الأطفال

تركهُ عصام وظل الفتى منتظرا ولم يهرب، وكان في الثالثة أو الرابعة عشرة بتقدير عصام وشرع في تعديل ملابسه. كانت تبدو عليه علامات الذكاء والشجاعة، قال عصام وهو يبتسم برقة وربت على كتفه

- حسنا لقد أثبت لي أنك رجلا فعلا، ما اسمك؟

أشاح الفتى بيده بطريقة فجّة كوسيلة لإرسال رسالة إلى من أمامه أنه أقوى مما يتوقع

- شريف حسين محمد، ماذا تريد؟

- أنت تطارد نصر الآن، ومنذ يومين أو أكثر طاردته أيضا، هل فعل لك شيء؟

- لا

- لماذا إذا تفعل ذلك معه؟

- هذا ليس من شأنك

تغيرت ملامح عصام واكتسبت بعض الحدة وكذلك اتسعت عيناه قليلا وتغيرت لهجته ونبرة صوته إلى الشدة أيضا وتوعده قائلا:

- لقد اتفقنا أن نتكلم رجلا لرجل، لو لم أكن مهتما ما أمسكت بك أم تضطرني أن أتعامل معك بأسلوب لن يعجبك

شعر شريف ببعض الخوف والقلق من عصام وقال

- حسنا سنتكلم رجلا لرجل

عادت ملامح عصام إلى سابق عهدها وقال لشريف

- حسنا، لماذا إذا تطارده؟

- مجرد تسلية، فقط احب ان اخيفه لكي الاحقه أنا وأصدقائي.

-هل ستكون سعيدا لو انتحر نصر؟

- لا

- بالتأكيد ستشعر بالذنب وربما يعاقبك القضاء لأنك السبب.

- ماذا تريد أن تقول؟

- هل ستكون سعيدا لو أمسك نصر بأحد أصدقائك وقتله؟ وستكون أنت السبب.

- بالطبع لا، ولكن لماذا أنا السبب إذا انتحر أو قتل أحد أصدقائي؟

- ما تفعله أنت وأصدقائك معه من الممكن أن يؤدي به ذلك، ما تفعله نتيجته الانتحار أو أن يتحول نصر إلى مجرم وفي الحالتين ستحمل ذنبه في رقبتك.

- لا أفهم

- حسنا، بالطبع تعرف البالونة، ماذا يحدث لو ضغطت عليها بشدة، ضغط لا تتحمله.

- ستنفجر

- هذا ما سيحدث مع نصر، ما تفعله أنت وأصدقائك أنك تضغط على نصر بشدة ومع تكرار ذلك من الممكن أن يفقد حبه للحياة ورغبته فيها ويلجأ إلى الانتحار أو يصبح شخصا عدوانيا وينتقم منكم. هل لك إخوة؟

- نعم لي أخ وأخت

- هل لو تسببت في أن يتعرض أحدهم لحادث، مثلا كنت تلعب ودفعته بقوة فوقع على زراعة وكُسر، هل ستشعر بالندم والحزن وتتمنى لو لم تفعل ذلك.

- نعم بالتأكيد

- هذا هو الضمير الذي يجعلك تشعر بالندم، وستظل تشعر بالندم كلما نظرت إليه ووجدت زراعة به أثر لما فعلت. إن أقدم نصر على الانتحار فستكون أنت السبب ولو قتل أحد أصدقائك فستكون أنت السبب أيضا لأنك أنت القائد وتدفعهم وتشجعهم على ذلك

- لقد فهمت ما تقصد

- أنا أتحدث الآن إليك بهدوء، لكن لو تكرر ذلك سأبلغ والدك

- أبي ليس لديه وقت ليسمعك، وليس لديه وقت ليعرف ماذا افعل

- إن كان والدك لا يهتم فالشرطة تهتم وسوف أبلغ الشرطة عنك أنت وأصدقائك وستذهب للقسم ويتم حجزك والشارع كله يشهد أنك تتسبب في أذى نصر. أما لو أثبت لي أنك رجلا تسمع بأُذنيك وتعقل ما تسمع فسوف نصبح أصدقاء.

- أصدقاء! ! !

 

- نعم ونلعب سويا في مقهى الإنترنت (الإنترنت كافيه) أي ألعاب تريدها وسأتكفل بذلك، أو نلعب في محل الفيديو جيم (البلاي ستيشن)، أو نَكُون فريق لكرة القدم ونلعب كل أسبوع في مركز الشباب أو النادي أو أحجز لكم ملعب كرة القدم وتلعب مع أصدقائك هناك، ما رأيك؟

- موافق بالطبع وسوف أتحدث مع أصدقائي ونبتعد عن نصر.

انطلق الفتى وجمع أصدقائه وعاد إلى عصام بعد دقائق وهم معه وأظهروا سعادتهم بعرض عصام وعزموا على الابتعاد عن طريق نصر. اخرج عصام ورقة وقلم وطلب من كل واحد منهم أن يكتب اسمه واسم الفيلم الذي يحبه سواء فيلما عربيا أو أجنبيا، وكذلك اسم اللعبة التي يحبها أو يريد أن يلعبها، مرت الورقة عليهم جميعا وكانوا ثمانية أطفال بين الثالثة عشرة والرابعة عشر. لاحظ عصام أن بعضهم لا يحسن الكتابة وان معظم الأفلام التي دونوا اسمها تتسم بالعنف.

كان نصر أثناء هروبه من الأولاد في الشارع ينظر خلفه بشكل متكرر ويتملكه رعبا هائلا، وما أن رأى عصام قد أمسك بقائدهم وتحدث معه ثم وقف الأولاد في انتظار قائدهم حتى توقف عن الجري ووقف ينتظر نتيجة تدخل هذا الغريب. ابتسم نصر عندما أدرك أن هذا الغريب هو منقذه من هؤلاء الأشقياء، بل وزادت ابتسامته ووقف مستندا إلى إحدى السيارات عندما شاهدهم وهم يلتفون حول عصام وبعضهم يكتب شيئا في ورقة ثم يناولها للآخرين. أدرك نصر أن هذا الغريب يحاول بطريقة ما أن يبعد هؤلاء الأشقياء عنه. انتهى عصام والأولاد من وقفتهم بعد أن أخذ الورقة وتحدث معهم قليلا، ثم انصرف هؤلاء الصبية أيضا. نظر عصام تجاه نصر فلاحظ وقوفه مستندا إلى إحدى السيارات فسار تجاهه وانتظره نصر بابتسامة، ولم يكن عصام يتوقع ذلك، ولما اقترب منه مد عصام يده ليصافح نصر فمد يده في ترقب ثم ابتسم وصافحه بحرارة؛ وبدأ يتكلم، وهنا أدرك عصام مأساة نصر وهي التلعثم في الكلام وصعوبة اصطياد الحروف مع حركة عصبية لعينه اليسرى وهو يفتحها ويغلقها بسرعة أثناء كلامه. كان نصر يحاول أن يشكر عصام على ما فعله فقال له أشكرك على ما فعلته مع هؤلاء الأشقياء. أدرك عصام أن عقل نصر يعمل ويفكر ويجد الكلمات المناسبة للتعبير وهذا يشير إلى أن عقله ليس أصغر من عمره كما كان يعتقد. فكر عصام في أن يختبر رجاحة عقله فقام ببعض الاختبارات السريعة للذاكرة والإدراك الحسي والحركي والانتباه والتركيز دون أن يوضح لنصر أن ذلك اختبارا، فتظاهر بأنه يريد أن يكتب اليوم والتاريخ على الورقة التي كان يوزعها على الأولاد ولكنه لا يتذكر، فأخبره نصر باليوم والتاريخ، وقام بكثير بهذه الاختبارات بطريقة غير مباشرة وأدرك في نهاية الأمر أن نصر لا يعاني إلا من التلعثم وحركة عينه اليسرى. بينما هما يتحدثان إذ بقطتان يتعاركان ويصدران صوت عراك القطط المواء المرتفع فإذا بنصر يقفز من مكانه وتظهر عليه علامات الخوف الشديد ويرتعد بشدة ولا يستطيع أن يقترب من القطط ليبعدها عنه، بل يقف مكانه يرتعد وهو يضم يديه إلى صدره حتى قام عصام بإبعاد القطط وعاد إليه فوجده يهدأ تدريجيا. تحدث عصام مع نصر كثيرا وهما يسيرا سويا حتى وجد عصام نفسه بالقرب من مكتبه الأستاذ رفعت فتوجه إليها مع نصر وتصافحوا، ثم لاحظ عصام أن نصر تركه يتحدث مع رفعت واتجه ليعبث ببعض الألعاب الصغيرة الموجودة على أحد رفوف المكتبة. لاحظ رفعت ذلك أيضا وابتسم وأخبر عصام أن هذا السلوك يقوم به نصر كلما مر بجانب المكتبة. اتجه عصام إلى إحدى الألعاب التي أعجبت نصر ثم أخذها وأعطاها لنصر وقال له اعتبرها هدية لك. فرح نصر باللعبة كالطفل الصغير الذي تتمثل كل أمنيته في اقتناء لعبة جميلة. كانت ملامح الفرح مرسومة على وجه نصر بشكل مبالغ فيه وهو يقلب اللعبة بين يديه ويضعها على الأرض ويلعب بها ثم أخذها وخرج من المكتبة وهو يقول بشيء من الصعوبة شكرا، شكرا. التفت عصام إلى رفعت وأبلغه بما فعله وما قام به مع نصر من اختبارات والنتيجة التي توصل إليها وقال

- لقد توصلت إلى نتيجة مهمة جدا من الممكن أن تنقذ نصر مما هو فيه وتساعده على أن يحيا حياة طبيعية.

رد عليه رفعت وهو يبتسم

- جزاك الله خيرا يا ولدي على ما فعلته مع نصر، جعله الله في ميزان حسناتك. أخبرني ما هي تلك النتيجة.

ابتسم عصام وقال:

- نصر يعاني من تلعثم في الكلام وحركة عصبية في عينه اليسرى ولعلك لاحظت ذلك، ومن الممكن معالجة ذلك من خلال طبيب علاج طبيعي متخصص وإخصائي تخاطب وسوف أستشير أحد أصدقائي في حالته. ظهر أيضا لي واضحا أن نصر لا يعاني أي خلل في العمليات العقلية كالانتباه والتركيز ولكنه يعاني من الخوف الشديد من الحيوانات حتى الصغيرة منها وربما ذلك نتج من تعرضه للأذى من الأولاد.

قال رفعت بشيء من الجدية:

- نريد أن نعالج نصر مما هو فيه

تبادل عصام معه نبرة الاهتمام :

- بإذن الله، ولكني أريد بعض المعلومات عن نصر، أريد معرفة حكايته والظروف التي أدت به إلى هذا.

 

 


 

التنقل السريع