القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

خريف يتهادى - الفصل الحادي والثلاثون

 31

ينتابنا أحيانا شعور بالقلق لا نعرف له سببا



بعد أن ترك شريف، خطر ببال عصام أن يذهب إلى المركز الاجتماعي ليرى أن كانت هناك أي شكاوى قبل أن يذهب إلى المنزل. ذهب إلى المقر فوجد الباب مفتوحا وسمع أصوات بالداخل، دخل إلى المقر ففوجئ بالهمشري جالسا كالمخمور يهذي ببعض الكلمات وأمامه زجاجات خمر، نهره عصام بشدة ولكن لم يلقى أي استجابة من الهمشري إلا أنه ظل يترنح كلما حاول الوقوف ثم اقترب من عصام ودفعة بشدة في صدره فعاد إلى الخلف واصطدم بالحائط، أراد عصام أن يرد له دفعته ولكنه تركه وانصرف لأنه لم يكن في كامل وعيه.

تركه عصام وهو لا يكاد يصدق ما حدث، لم يستطع الذهاب إلى المنزل فتوجه إلى مكتبة الأستاذ رفعت فلم يجده ولكن وجد ابنته مشيرة فسألها عنه فأخبرته أنه في طريقه الآن إلى المكتبة. لم يمكث وقت طويل حتى وصل الأستاذ رفعت إلى المكتبة. جلس عصام معه وأخبره بما حدث، عبر الأستاذ رفعت عن استيائه الشديد من تصرف حاتم الهمشري وأثنى على تصرف عصام ولأنه لم يتمادى في الشجار عندما أدرك أن الهمشري ليس في كامل وعيه. أضاف عصام

- دعنا نغير الحديث إلى حديث آخر، أرجو أن تُخبرني بقصة نصر حتى أتمكن من مساعدته بطريقة صحيحة

- حسنا، قصة نصر باختصار هي أنه كان يعاني من التلعثم في صغره ولذلك لم يحصل على فرصة تعليم لان كل المدارس رفضته. ظل يتنقل بين الورش لتعلم حرفة ولكنه لم يستطيع ولم يتحمله احد، بعد ان موت والدته تدهورت حالة نصر وجمع له بعض الصالحين بعض المال واشتروا له بعض الإكسسوارات التي يتجول بها في الشوارع ليبيعها حتى الآن.

أضاف عصام

- إذن هو يستطيع التعامل مع الناس ولكن تنقصه الثقة.

- بالفعل، تنقصه الثقة فقط، وأعتقد أن الوقت مناسب وسيساعده العمل على بدء حياة جديدة

أكمل عصام كلام الأستاذ رفعت وقد شعر ببعض الارتياح

- والاندماج في الحياة رويدا رويدا ويتغلب على مشكلته

- أو يتأقلم معها، فكثير منا لديه مشكلات ولكنه يتأقلم معها، بعض الناس يعيش بقدم واحدة ويتأقلم مع وضعه، البعض يعيش يعين واحدة ويتأقلم مع حياته

- صدقت يا أستاذي، والبعض يعيش بمرض مزمن ويتعايش معه، أهم أسباب سعادة الإنسان أن يتصالح مع نفسه، يقبلها كما هي، يحاول أن يطور منها ولكن الأهم أن يتصالح معها

- من ناحيتي، سوف أمضي في موضوع عربة الفول وأنت عليك موضوع السكان

- حسنا، اتفقنا

- ماذا ستفعل الآن مع الهمشري؟

- لا أريد أن أهدم ما بدأته وسوف أنتظر حتى يعود إلى رشده

- حسنا وهذا هو القرار السليم، التعامل بحكمة هو المطلوب في الوقت الراهن

استأذن عصام للانصراف ومضى في طريقه عائدا إلى منزله وهو يشعر بدمه يغلي كالماء وتحته شعلة نار متوهجة ويزداد غضبه حينما يتذكر مشهد الهمشري وهو يترنح كالمخمور والأعجب أن هذا حدث قرب انتهاء النهار ولم ينتظر حتى قدوم الليل. ظل على هذا الحال حتى وصل إلى منزله فوجد والدته جالسة تعمل التريكو وياسمين بغرفتها، قالت له أمه بعد أن قام بتقبيل رأسها

- بالطبع تُقبل راسي بعد أن فعلت فعلتك

شعر عصام ببعض الدهشة وتساءل بابتسامة بعد أن جلس على الأريكة بجوارها

 

- وماذا فعلت يا حبيبتي؟

- حقا لا تعلم، حسنا سأخبرك، لقد دخلت الشقة بحذائك وتسببت في اتساخ السجادة رغم أنني حذرت كلاكما ألا تدخلا بأحذيتكما إلى داخل الشقة وأن تتركوها خلف باب الشقة

- أنا لم أفعل ذلك، ربما ياسمين

- لا، أنه حذاء رجالي

- حقا لم أفعل يا أمي

قام عصام وذهب حتى السجادة فلم يجد آثار الأقدام فعاد لوالدته وسألها

- لم أجد شيئا يا أمي على السجادة

وهل تظن أنني سأترك اثار الحذاء على السجادة حتى الآن

صمت عصام وقد دارت برأسه الظنون ولكنه احتفظ به لنفسه ولم يبثها إلى والدته حتى لا يثير قلقها. أضاف

- ربما كانت اثار حقيبة أو ما شابه ذلك، لا تشغلي بالك

- ربما ( ثم حدقت النظر فيه ) ما بك يا بُني، لماذا تبدوا مهموما؟

- هناك بعض المشاكل في العمل، لا تشغلي بالك، كله سيكون على ما يرام

- إن شاء الله يا بُني، سيكون كل شيء على ما يرام. لك عندي خبر سعيد، خالتك صفية ستاتي غدا لتقضي معنا بعض الوقت

رُسمت الفرحة على وجه عصام وقال

- حقا، خالتي صفية ستأتي؟

- نعم، ولكن لا تجلس بجانبها لتغني لك وتترك عملك

ضحك عصام والسعادة تغمره

- حسنا يا أمي لن أهمل عملي ولكن سأجعلها تُغني لي

ضحكت أمه وخرجت ياسمين تشاركهما الحديث، مر الوقت بهم وهو يتسامرون حتى قام عصام واتجه إلى غرفته. توجهت ياسمين إلى والدتها بالحديث بعد أن تركهما عصام

- هل هناك شيء يا أمي، أرى شرودك وأنت تنظرين إلى عصام وهو يتوجه إلى غرفته؟

- قلبي غير مطمئن ولا أعلم لماذا؟، يُحدثني قلبي أن هناك شيئا، اللهم الطف بنا يا رب وقدّر لنا خيرا واحفظ أولادي من كل سوء واستعملنا في الخير واجعل كيد السيئين في نحورهم.

نظرت ياسمين إلى والدتها ثم آمنت ورائها وطمأنتها ببعض الكلمات ولثمت رأسها وقامت بمساعدتها لتدخل إلى غرفتها واطمأنت أنها تهيأت للنوم ثم تركتها وتوجهت إلى غرفتها.

التنقل السريع