القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

حلمي حلمك - الفصل الثالث عشر

  

(13)

الحب هو الحياة، هواءه الصدق وماءه الصراحة

 



( عام 1990)

ابتسمت سلمي وهي تجلس على مائدة العشاء مع عامر الذي ينظر إليها وقالت 

- هل ستظل تنظر الي هكذا، منذ جلسنا وأنت على هذا الحال

- لأول مرة انظر اليك فأرى رغبة منك ان اظل هكذا، عينيك تناديني ان هلم علي واقبل وسامح واغفر

- بدأت أشعر بالخوف منك، انت بالفعل تقرأنِ.

- ليس انا بل قلبي

- وما الفرق؟

- أنا تعني قلبي وعقلي مجتمعين

- وأنا اطلب منك ان تسمعني بعقلك وقلبك مجتمعين

- اذن نتناول العشاء أولا، هذا هو النادل قادم وقد طلبت لك اكلاتك المفضلة، البيدا، البيتزا التركي ودونر كباب و كباب كفتة

- هذا كثير جدا

- هذا بالإضافة إلى اطباق الحلويات التي تحبينها

- هل تذكر كل ما أُحبه؟

- وكيف أنسى ما تُحبين وأنا افكر فيك دائما.

- ايه هو الحلو اللي طلبته؟

- تهربين من الرد، حسنا، انتي احلى شيء طلبته وحضر إلي

- تكلم بجد

- طلبت لك البقلاوة، التولمبا التركي وهو ما تطلقون عليه بلح الشام، الاشورة، القطايف

- هذا كثير جدا

- تذوقي من كل صنف حتى ولو قطعة

انصرف النادل بعد ان وضع الطعام  وبدأت سلمى تتذوق من كل صنف وهو يكتفي بمشاهدتها ويتناول القليل من الحلوى حتى انتهت سلوى وكذلك هو، وأشار للنادل فحضر وطلب عامر فنجانين من القهوة التركية وانصرف النادل

قالت سلمى بابتسامة

- حتى القهوة التركي لازلت تذكر حبي لها

- احسدها لأنك تحبينها، هيا انا اسمعك

نظرت سلمى الى الفراغ كأنها تستدعي الماضي ثم بدأت حديثها

-  تخرجت من كلية الإعلام جامعة القاهرة، وكنت اتوقع ان اكون معيدة بالقسم ولكن الواسطة والمحسوبية تدخلت وتم تعيين آخرين. كنت اظن ان تفوقي الدراسي وحصولي علي ترتيب في دفعتي هو الشيء الوحيد المطلوب في العمل. بحثت كثيرا عن عمل حتى وجدت تدريب في اكاديمية خاصة للإعلام وبعد التدريب، حصلنا على وعود كمجموعة تتدرب ان نلتحق بإحدى القنوات الفضائية وهذا كان حلم كبير بالنسبة لأي خريج إعلام ؛ وبالطبع انتهى التدريب ولم تتحقق أي وعود. وجدت عمل آخر في شركة شحن كبرى كسكرتيرة لأني احتجت للعمل فرضيت بهذه الفرصة. توفي أبي في تلك الفترة و ساءت ظروفنا المعيشية وأصبح علي الاعتماد على نفسي.

قاطعها عامر

-  لماذا لم تقصي حكايتك منذ الصغر.

لأني لم اجد بها شيئا مهما، وعام ة انا ابنة لأب وأم من احدى قرى محافظة الشرقية. أبي يعمل فلاحا ولدينا قطعة ارض أبي يزرعها ولكنها لا تكفي بعد ارتفاع تكلفة المعيشة فكان يعمل احيانا في العتالة للمساعدة في المعيشة وتلبية متطلباتنا، وأمي ربة منزل تقوم بتربية الطيور على سطح المنزل للمساعدة في تلبية متطلباتنا. ولي أخين وأختين كلهم تركوا التعليم واتجهوا للعمل بعد وفاة أبي أنا أكبرهم سنا. انقلبت حياتنا رأسا على عقب بعد وفاة أبي فقامت امي بإيعاز من خالي ببيع قطعة الأرض وزوجت أخواتي وفتحت ورشة للنجارة لإخوتي مع خالي ورفضت انا الزواج من احد اقاربي وفضلت الاستمرار في العمل. بعد أقل من سنة مرضت امي و توفت ولحقت بابي وأصبحت وحيدة لا احد يسأل عني ولا احد يكاد يراني إلا خالي الذي كان يضغط علي للزواج من ابنه، ولما لاقى رفض مني أغلق باب بيته في وجهي. انتقلت للعيش في القاهرة مع إحدى زميلاتي وكنت حريصة بشدة على ألا يعلم أحد عني ذلك. ودائما اقول اني اعيش مع اسرتي وظللت هكذا لمدة عامين حتى وجدت اعلان عن طلب محررين  صحفيين في جريدة عريقة وقدمت علي العمل وقبلت وتم تعييني

قاطعها عامر

- إلى هنا الحكاية عادية جدا

استكملت سلمى

- في احد الأيام طلبنا المدير أنا وبعض زملائي وزميلاتي وقدم لكل واحد منا بعض الملفات وطلب من كلا منا ان يقوم بعمل تقارير كاملة عن كل ملف. تأخرت في العمل هذا اليوم لمدة نصف ساعة فقط بعد انتهاء ساعات العمل الرسمية ثم وجدت المدير يخرج من مكتبة وينظر الي نظرة عابرة ثم يدخل مرة اخرى ويستدعي عامل البوفيه الوحيد الذي لم ينصرف بعد،  وبالطبع لم اكن اعلم ذلك. لم اعلم انه خرج فشاهدني مشغولة بالعمل ولم اعلم انه استدعي هذا العمل ولا ان هذا العامل هو الاخير الموجود. استدعى العامل وطلب منه ان يقدم لي عصير. شعر العامل بالدهشة لأن المدير يعلم أنه لا يوجد الا الشاي وقد اخبره بذلك منذ الصباح. اخرج المدير من ثلاجته الخاصة علبة عصير جاهزة كارتون مغلقة وأعطاها له وطلب منه ان يعطيها لي. ثم طلب منه أن يشتري له بعض الأشياء. وأعطاني العامل العصير فأعربت له عن امتناني وخرج العامل لشراء ما طلبه المدير وعندما عاد لم يجدني. عرفت كل ذلك فيما بعد. بعد ان تناولت العصير شعرت برغبة شديدة في النوم فكان العصير محقون بمخدر وقد صنع المدير ذلك بنفسه لإصطياد البنات الساذجات أمثالي. خرج من مكتبة ووجدني على وشك فقدان الوعي فسندني وأوهمني انه يوصلني للبيت واخذ معه كل متعلقاتي وتخلص من علبة العصير، وركبنا المصعد وهو يسندني ومنه لمرآب العقار ومنه الى سيارته وبالطبع الي شقته وعندما أفقت وجدت نفسي في سريره. صُعقت وصرخت وفعلت كل ما استطيع فعله في هذا الموقف أما هو فهددني بالفضيحة وليس هناك دليل علي أي شيء وسوف يقول إني جئت له بإرادتي، ثم حاول تهدئتي ووعدني بالزواج الرسمي وكتب لي عقد زواج عرفي وأعرب عن حبه لي ولكن الشيطان صور له ذلك، وأعرب عن ندمه وكثير من التمثيل المتقن. وعرفت بعد ذلك انه شيطان في هيئة بشر وأنني لست ضحيته الأولى وسبقتني كثيرات ومنهم من انتحرت عندما أظلمت الحياة امامها. لم يكن أمامي إلا الخضوع له ومسايرته ليتزوجني وتعددت لقاءاتنا وحاولت ان اجعله يتعلق بي فكنت له كزوجة وعشيقة وحاولت إرضاءه بأي شكل وبكل الطرق ، كان كل ما اطلبه منه ان يتزوجني رسميا لمدة يوم واحد، وكان بالطبع يؤجل تارة ويرفض تارة ويغضب تارة ويضرب تارة، وأيقنت ألا فائدة فكتمت همي وعزمت ان اريح البشرية من هذا الشيطان ودبرت خطة محكمة ولكن قضاء الله أجّل هذه الخطة  فبعد أكثر من شهرين من الحادثة اكتشفت أني حامل، ونزل علي الخبر كالصاعقة وأخبرته فطلب مني التخلص من الجنين، واستشرت احد الاطباء متعللة بظروفي فقال إن ذلك خطر علي حياتي. تركت الشقة التي كنت اسكن فيها مع زميلتي واستأجرت اخرى في حي آخر بعيد. أخبرته أن الطبيب يطلب مبلغا كبيرا جدا فلم يتوانى وأعطاني مبلغا باهظا وقال لي لا تعودي حتى تتخلصي منه وكنت قد وصلت للشهر الخامس فعزلت نفسي في شقتي حتى معاد الولادة وقد احسست بقربها وبالفعل تمت الولادة في الشهر السابع في شقتي بمساعدة جارتي وإحدى الممرضات وقد اجزلت لهن العطاء فتكتمن امري. انتظرت حتى تعافيت وتركت الشقة بصورة مفاجئة واستأجرت أخرى اقل ثمنا بحي أخر وأقمت فيها. كانت لي علاقة طيبة بمديرة لدار الأيتام وهي صاحبتها ايضا، فكتبت لها خطابا شرحت لها اضطراري للسفر وان ابني لديها امانة تربيه هي أو تضعه في الدار ووضعت الرسالة مع رسالة أخرى اوصيها بتسميته زياد. دبرت خطتي واستخرجت تأشيرة السفر وعدت لسليم وقتلته ثم توجهت للمطار ومنه الي هنا.

انتهت سلمى من سرد قصتها وصمتت لفترة كبيرة وهي تنظر الى عامر الذي طال صمته، قطعت سلمى فترة الصمت بسؤالها

- هل مازلت تحبني وتريدني زوجة؟

يسود الصمت مرة اخرى لفترة ثم تقطعه سلمى

- لقد أصررت علي معرفة سري، فهل شعرت الآن بالراحة، لا الومك علي أي قرار تتخذه، وغدا سأترك الفندق والتحق بأخر.

رد عامر وقد تأثرت نبرة صوته وطغى عليها حزن عميق

- هل اتخذت قرار العيش في تركيا.

- نعم، ارجوا ان تساعدني في ايجاد عمل

قالتها وهمت بالوقوف لكن جاءها صوت عامر

- أرجوك انتظري، أنتِ لم ترتكبي خطيئة في علاقتك مع سليم ، اما موضوع القتل فلا اعرف هل ألومك على قتله أم احييك عليه. تصرفك مع ابنك تصرف صحيح، فلا تستطيعين السفر به ولا. . . . .

قاطعته سلمى

- كنت اخشى آلا استطيع قتل سليم، ويصل إلي ابني ويقتله، ولا أستطيع مواجهة الناس به.

قالت سلمى هذه الجملة الاخيرة ثم وضعت يديها على وجهها وبكت

تأثر عامر ببكائها

-  اكررها لك لا أعلم إن كان علي أن أشكرك علي قتل سليم او الومك. مشاعري تجاهك لم تتغير والغريبة ان حكايتك لم تؤثر على منزلتك في قلبي اطلاقا.

اخرجت سلمى منديلا وجففت دموعها ثم اضافت

- لا تتسرع في الحكم علي مشاعرك، ربما كان ذلك شفقة علي

- سأريحك وأنتظر، هل ترغبين في سماع حكايتي ونقضي هذه السهرة في الحكايات، بعد أن انتهي أنا نطلب من الحاضرين ان يحكي كُلاً  حكايته

ابتسمت سلمى وقالت

- ستكون ليلة مثيرة فعلا

بدأ عامر يقص حكايته

انا وصديقي حمدان زهران ولا اعلم لماذا اسمه مثنى مع انه شخص واحد. (تضحك سلمى لهذه الدعابة).

- أضاف عامر

تخرجنا سويا من كلية الهندسة قسم عمارة وكنا متفوقين وجاءنا عرض من شركة مقاولات كبرى بالكويت  للعمل لديها و استكملنا جميع الأوراق وأرسلت لنا الشركة كافة الأوراق والتصاريح على أن يكون السفر بعد ثلاثة أشهر وأنا استعد للسفر قُتل والدي -رحمه الله-  في قضية ثأر  ورفضت أمي اتهام أحد لانه طبقا للعرف فانه ينبغي علي ان أخذ بثأره، ورفضت الأخذ بالثأر  وتحملت ضغط عائلتي علي واستهزاء أهل البلد بي وبعائلتي، وأبلغتهم أني سأسافر للعمل وبينما اسير في امام احد المقاهي  وجدت قاتل والدي جالسا يستهزأ بي وينعتني بالمرأة واني لا اقدر ان اقتل دجاجة وسخر مني، وتبعه  جميع من بالمقهى، فشعرت بالدم يتصاعد لرأسي ووجدت ضباب أمام عيني فذهبت اليه و أمسكته من ملابسه وأوسعته ضربا ثم أخذت منه سلاحه وقتلته أمام الجميع وكان الكل في حالة ذهول وأتذكر الخطبة العصماء التي قلتها للناس بالمقهى " هل هذا يرضيكم، ما اسهل أن امسك البندقية واضغط على الزناد، هذا أسهل عندي من تحمل السخرية منكم جميعا. هل سأل أحدكم نفسه ماذا بعد. هل سنستمر نقتل بعضا البعض كل يوم. كل واحد منكم يربي ابنه ويزرع فيه الثأر والدم ليفقده عندما يكبر. كم عدد من أصبح يتيما. كم عدد من فقدت زوجها أو ابنها أو اخيها. حسبتم رفضي ضعفا وها انا اثبت لكم اني استطيع ان اقتل. من يقتل مرة يقتل الف مرة ، من يريد منكم ان يموت بيدي  لاثبت له اني استطيع قتله، من ؟ ثم وجدت حمدان يمسك بي ويشدني وأنا لا ادري شيئا حتى وجدت نفسي داخل الطائرة إلى الكويت ثم أخبرني حمدان أن علينا الهرب إلى دولة غير مشتركة في اتفاقية تسليم المطلوبين أمنيا والكويت من الدول العربية التي أبرمت الاتفاقية. ذهبنا إلى اليونان وقضينا ما يقرب من عام  ولكن لم نجد فرصة جيدة للعمل، ثم هربنا إلى هنا منذ ما يقرب من ثلاثون عاما وتزوجنا وكبرت اعمالنا والآن عندنا فندقين ومطعمين كبيرين وستة محلات تجارية في أنطاليا هنا وفي اسطنبول. اشعر كثيرا انني اخترت الهروب ولكن الهروب من الدم وليس من السجن.

نظرت اليه سلمى نظرة عميقة وساد الصمت لبعض الدقائق ثم قالت

حاولت تقاوم ولم تتحمل جهلهم وغبائهم وبالتأكيد اعتبروك بطلا بعد ان قتلت وأنا فضّلت حياة ابني على حياتي حتى ولو كانت حياة لا يحبها .لم استطع ان اترك ذلك الوغد يقتله بعدما قتلني بسكين الخيانة . هل تسمح لي ان اسألك سؤال؟

-  تفضلي

لماذا ربط حمدان مصيره بمصيرك فهو لم يقتل وكان من الممكن ان يعود لأهله؟

من يجاوب هو حمدان نفسه، وبالتأكيد سوف تقابليه قريبا. 

التنقل السريع