القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة



 طبق الحياة

 

خرجت مع زملائي في العمل بعد طول مناقشات في صباح ذلك اليوم لتناول الإفطار، اختلفنا كثيرا وتناقشنا على وجهتنا، وأخيرا استقر الأمر على "عربة الفول" الراسخة أمام المبنى المجاور لمكان عملي. أحب الطعام وسط مجموعة أو كما يقولون "ما يحلى الأكل إلا مع اللمة".

وصلنا إلى المكان الموعود ولم يتغير رأيي خاصة وقد انقبض قلبي من شكل الأطباق وكثرة الأيادي التي تمتد إليها لتلتهم ذلك المسمى "فول" وما أظنه كذلك، لفت نظري تعدد مستويات المتصارعين على أطباق الفول فيقف العامل بجانب "البيه" وبالطبع عرفتهم من ملابسهم. عندما بدأت أصرح برأيي فيما أرى تجاه الأطباق وطريقة غسلها وما إلى ذلك، حتى صفعتني عاصفة الردود القاسية على شاكلة "انت أحسن من كل دول " و "يا عم سيبها على الله".

رضخت أخيرا لرغبة الأغلبية لأني ديمقراطي. انتظرنا دورنا حتى حان الوقت الذي ينتظره زملائي وأخشاه أنا. لم أكمل لقمتين حتى اعتصرني ألم بمعدتي فتوقفت عن الأكل وتناولت بدلا من الفول سيلا من السخرية والضحكات المخلوطة برذاذ الفول.

لم أُعرهم انتباهي فصحتي أهم عندي من سخريتهم. اتجهت إلى جذع شجرة مجاورة أستند إليه حتى تهدأ معدتي وأحمد الله أنها هدأت سريعا.

شد انتباهي "صاحبة الليلة"، وازداد فضولي لأعرف قصة صاحبة الحفلة اليومية التي يقوم ببطولتها الفول العزيز على موسيقى الأطباق الألومنيوم والأيدي المتزاحمة عندما رأيت تلك السيدة، رأيت عينيها تدور بين كل الزبائن بخبرة المعتاد وفطنة الخبير. لحق بي أحد أصدقائي إلى جذع الشجرة فحدثته عما يجول بخاطري بداعي "إذا لم تأكل فافعل أي شيء آخر" أجاب صديقي "إنها صاحبة الليلة الكبيرة" أم سميرة، سألته ومن هذا الواقف خلف عربة الفول الذي يقوم بكل الأدوار "يغرف" الفول ويقطع البصل والليمون، فبالتأكيد ليس سميرة، فضحك صديقي وليته لم يفعل لان رذاذ الفول خرج منه أكثر من حروف كلماته "دا الواد حمو ابن الست أم سميرة، ومتقوليّش طب فين سميرة".

كُنت على وشك أن أسأله عن سميرة التي نذكرها ولا نراها ولكن صديقي تابع تغريده وهو ينظف الطبق ويغسله بلقيمات العيش لُيريح السيدة أم سميرة "الواد حمو ده معاه ليسانس آداب قسم تاريخ، حاول يشتغل بالشهادة، ملقاش غير مدرس بعقد مؤقت، ساب التدريس وقال عربية الفول مفيش أحسن منها، هو حسبها كده، مش كدة وبس ده اشترى تاكسي، واداه لجوز أخته يشتغل عليه بالنهار ويشتغل هو تاني عليه بعد الظهر وجوز اخته ياخد التاكسي تاني بالليل".

تبادر إلى ذهني أن أسأله هل من يتحدث عنها هذه سميرة أم أخت أخرى وآثرت السكوت لأن صديقي "سليط اللسان".

سألته كيف عرف كل هذه المعلومات عن "حمو" فبالتأكيد لم ينشرها حمو على حسابه في الفيسبوك أو يسجلها في مقطع فيديو وينشرها على اليوتيوب " ضحك مرة أخرى ولكن لأن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين ابتعدت بوجهي عنه عندما قال: "حمو بيحكي الحكاية دي لكل الزباين بس وقت لما الشغل يكون خفيف".

علمت فيما بعد أن السيدة أم سميرة تمتهن هذه المهنة منذ أن كانت طفلة مع والدها "الحاج ماضي" وتزوجت الحاج عبده وأنجبت سميرة، تعتز باسم أم سميرة ولا يعرف اسمها الحقيقي "حياة" إلا القليل.

فتعجبت من الاسم كثيراً وتمتمت "فعلا طبقنا اليومي تقدمه لنا الحياة". 

التنقل السريع