المصالح تتصالح
عاد أحمد من
إجازته الأسبوعية مشتاقا إلى أصدقائه الذين قضى معهم ما يقرب من عامين، تمنى أن
يشكو لصديقه وزميله المقرب "سمير" ما شعر به من ألم في إجازته حيث قضاها
ما بين زيارة مريض والسعي للصلح بين صديقين.
وصل أحمد إلى
العمل ودخل مكتبه الذي يشاركه فيه ثلاثة من زملائه، نظر إلى ساعته فوجدها الثامنة
إلا الربع وهكذا اعتاد أن يصل إلى عمله قبل أن يبدأ ويطلب مشروبه المفضل "شاي
بحليب" ومن الساعي "عم سيد".
دخل سيد المكتب
فوجده فابتسم له وقال " كنت عارف إن مفيش غيرك بيجي بدري، حمد لله على
السلامة يا أستاذ أحمد"
- الله يسلمك يا عم سيد، أخبارك إيه وإزاي أولادك؟
- في نعمة الحمد لله
- طب الحقني بطلبي عشان نقول بسم الله
كان أحمد يعلم
أن كلمة " في نعمة" يخرجها سيد من قلبه مع أن ظروفه تثير شفقة من لا قلب
له ولكن الرجل متماسك ومبتسم. حضر سمير فوجد أحمد يقلب في الأوراق فقابله أحمد
بحرارة ولكنه شعر بشيء في مقابلة سمير وكأنه يخفي شيئا عنه. سأله عن سبب هذا
الشعور فحاول سمير أن يفلت من هذا السؤال ولكنه لم يستطع فأخبره إن اسمه ضمن
المنقولين إلى فرع الشركة الجديد بمحافظة البحيرة. لم يصدق أحمد نفسه إلا عندما
وجد اسمه في كشف المنقولين للفرع الجديد للشركة فكاد أن يسقط أرضا من هول المفاجأة.
حاول أن يتماسك ولما أفاق من ذهوله توجه إلى رئيس القسم ليسأله عن السبب في نقلة
فأجابه "دي أوامر عليا". لم يقتنع أحمد بردِّه فتوجه إلى مدير الإدارة،
وهنا علم أحمد سبب نقله وهو أن تقرير رئيس القسم عنه سيئ للغاية فقرر المدير العام
أن ينقله إلى الفرع الجديد فقرر أن يواجه رئيسه ويعترض على هذا الظلم، وبينما يهم
للتوجه إلى رئيسه لمواجهته قابل صديقه سمير الذي لحق به حتى لا يقوم برد فعل يندم
عليه. أدركه سمير قبل أن يذهب لرئيس القسم وقال له:
- أنا قلتلك إن الكلام الحلو يلين الحجر ويحجب الضجر ويخلي السلحفة تطول
الشجر وجامل اللى يستحق ونافق اللى ما يستحقش تنول اللي ما تستاهلش.
- انت عارف إن أخلاقي مش كده.
- بس هي ماشية كده، مش هنا بس لكن في كل حته
- طب إيه الحل الوقت، أنا مش عايز أتنقل؟
- هقولك نصيحة لو مش عارف تجامل وتقول كلام معسول يبقى عليك بالقاعدة
التانيه
- إيه هي؟
- المصالح تتصالح
رنت الجملة
الأخيرة التي نطق بها سمير في أذنيه كأصوات الجرس الذي يدق في صالة متسعة ويتردد
صداها "المصالح تتصالح" ثم تذكر طلب المدير العام منه أن يعطي دروسا
لأبنائه في اللغة الإنجليزية بعد أن أبهره بإجادتها بعد أن استطاع التفاهم مع أحد
الأجانب المقيمين بمصر والذي كانت له مشكلة مع الشركة واستطاع أحمد أن يتفاهم معه
وانصرف مسرورا بذلك. تعلل وقتها أنه لازال يزيد من تمكنه من اللغة بالدورات
التدريبية، في اليوم التالي أحضر أحمد هدية قيمة للمدير العام وقدمها له مُبديا
استعداده لإعطاء أبناء المدير دروسا مجانية في اللغة الإنجليزية التي كان يجيدها
وأوضح له أنه كان ينتظر أن ينتهي من الدورات التدريبية ليكون مؤهلا لذلك ولكن عبر
عن أسفه لأن اسمه ضمن الأسماء المنقولة إلى فرع الشركة الجديد.
أبدا المدير
سعادته بموافقة أحمد على إعطاء أولاده دروسا مجانية فذاك عبء ثقيل على جيبه وقال
" ولا يهمك اعتبر قرار نقلك لاغي، هتبدأ أول حصة امتى؟"
استقبل أحمد
الخبر بسعادة بالغة وشكر المدير وصارحه بأن رئيس القسم ظلمه في تقريره، قال له
المدير "في أقرب فرصة هتكون مكانه"، ذهب أحمد إلى مكتبه وأخبر سمير بما
تم ثم طلب منه طلبا غريبا فقال:
- عايز غلطة على البيه (يقصد رئيس القسم)
ابتسم سمير وقال:
- أهو ده الشغل يا أبو حميد، ده راجل فاسد، بس افتكرنا لما توصل
- طب أعمل إيه؟
نصحه صديقه أن
يسجل لرئيس القسم ما يحدث بمكتبه وعلل ذلك بأن ذلك المسؤول فاسد وتحوم حوله شبهات
كثيرة، ويقوم بكثير من التجاوزات مع العملاء ومع زملائه وزميلاته.
بعد مرور أسبوع،
وجد سمير أحمد وقد كست الابتسامة وجهه بعد أن صدر قرار بتعيينه رئيس القسم خلفا
لشلبي الحناوي الذي قام المدير العام بنقله إلى فرع الشركة في الواحات ومجازاته
وكان على وشك أن يتم طرده من العمل بعد أن انتشرت مقاطع فيديو ظهر فيها وهو يرتكب
أخطاء مهنية وأخلاقية.