أنا آسفة
تغير حاله بشكل
مفاجئ وهي لا تعرف سببا لهذا، كلما سألته عن سبب هذا التغير أخبرها إن لديه مشكلات
كبيرة في عمله، لم تتحمل هذا التغير، دخلت عليه في غرفته وانفجرت تصرخ بصوت عالٍ
تلومه على وجهه العابس منذ شهر، تنتقد حزنه الشديد وعصبيته الزائدة في الأيام
الأخيرة، انتقدت عصبيته مع كل المحيطين به حتى مع طفليه، يحدثهم بعصبية شديدة ولا
يطيق طلباتهم، ولا يلعب معهم كما كان يفعل من قبل.
نظر إليها، شعر
بحزن بالغ لأنها لم تتحمله، كاد أن ينطق لكن الكلمات اختنقت بداخله وأبت أن تخرج
واختنقت الدموع قبل أن تصل لعينيه، لم يتفوه بكلمة، أساءت دينا فهم حالته وشعرت
أنه يتجاهلها فأجهشت بالبكاء وغادرت الغرفة.
اتجه خالد إلى
مكتبه وحاول أن يخُط بضع كلمات ولكنه لم يجد ما يكتب أو لم يستطع. توجه إلى غرفة
النوم فلم يجدها، وضع رأسه على وسادته وحاول النوم ولكن لم يستطع أيضا.
تناثرت الأفكار
في رأسه هنا وهناك ولكن لم يشعر بمرارة ما هو فيه إلا حينما نطقت دينا تواجهه
بحقائق لا تعلم عن أسبابها شيئا حتى أنها لا تقدر له ما مضى وكيف كان حاله. تزاحمت
رأسه بسخافات كثيرة، فكر أن يرحمها ويخبرها بما هو فيه ولكنه فضّل أن تكون هكذا
على أن تشاطره مخاوفه وقلقه، راودته فكرة أن يطلب منها أن تذهب لبيت أسرتها مع
طفليه بعض الوقت حتى تمر هذه السحابة، لكنة طرد هذه الأفكار من عقله وقام متجها
إلى مكتبه وتناول قلمه وورقته وهما ملاذه الأخير في مشكلته الراهنة. ضغط على
أعصابه واعتصر عقله ولم يستطع إلا كتابة جملتين. بينما هي استطاعت أن تخفي دموعها
عن طفليها وظلت ترعاهما ثم اتجهت معهما للنوم في غرفتهما دون أن تهتم ماذا يفعل
هو، ولكنها فوجئت بابنها الصغير يقول "بابا ليه زعلان على طول يا ماما، هو
ليه بقى زعلان كده؟" ردت دون تفكير "تعبان شوية". قضت ليلتها بجوار
طفليها وسمحت لدموعها أن تبلل خديها بعد أن غلب النوم الطفلين. تذكرت كيف كان
حالها قبل هذه الحالة التي انتابته، وتسارعت الاحتمالات تدور في رأسها " هل
لديه مشكلة كبيرة في العمل كما يقول؟ هل ترمي إحداهن بشباكها حوله فلا يطيق البيت
ومن فيه؟ لم تجد تفسيرا منطقيا لهذه الأسئلة فقررت أن تجلس معه بهدوء وتتوسل إليه
أن يبوح لها بما يخفيه.
مسحت دموعها ثم
تمتمت "ليتني فعلت بدلا من العصبية التي تحدثت بها معه". ظلت هكذا حتى
راحت في سُبات عميق.
استيقظت من
نومها على ضجة كبيرة فاتجهت إلى الصالة فوجدته يشاهد التلفاز وقد رفع صوته حتى
أصبح الصوت لا يُطاق، نظرت إلى ساعة الحائط فوجدتها الثالثة والنصف صباحا فقالت له:
"أخفض صوت التلفاز، لقد تخطت الساعة الثالثة صباحا، الأولاد والجيران
نائمون ولقد أيقظتني بهذا الصوت المرتفع
"
فقال لها"
هذا شأني، اتركيني أو اتركي البيت كله إن شئتِ
"
اتجهت إلى
التلفاز وأغلقته فقام من مكانه ودفعها بشدة فسقطت أرضا، وهنا أدركت أنه كان كابوسا
مزعجا وأن سقوطها كان من فوق سرير الأطفال نتيجة عدم تعودها النوم على هذا السرير.
نظرت إلى ساعة
المنبه على الكومود فوجدتها السادسة صباحا فنهضت وتوجهت إلى غرفة النوم فلم تجده
ولكنها وجدت ورقة صغيرة بها عبارة " الكلمات تأبى أن تخرج، الإجابة على كل ما
يدور برأسك لدى والدك ".
أسرعت إلى
الهاتف وظلت تتحدث مع والدها ثم بكت بشدة وانتهت المكالمة ومازالت عبارة والدها لا
تفارق مسامعها "خالد كان على وشك السجن وبيقولك مشاكل في الشغل، مش قادرة
تستحملي كام يوم، ده مقصرش معاكي في حاجة ومرضيش يقولك عشان متخافيش ويبان ده في
تصرفاتك مع الولاد لكن الحمد لله المشكلة قربت تتحل، خدي بالك من جوزك".
انتظرته حتى
المساء وعندما فتح الباب وجدها تنتظره خلف الباب ولم تنطق إلا بعبارة واحدة
"أنا آسفة".