لحظة عابرة
تعطلت سيارة
العمل في ذلك اليوم، والتي كانت تنقله كل يوم من منزله حتى مكان عمله وهذا ما كان
يدفعه إلى العدول عن فكرة شراء سيارة. كان مروان من ذلك النوع الذي يعتقد في الحظ
والتفاؤل والتشاؤم، فنعى حظه السيئ عندما علم أن سائقي السيارات الأجرة
"الميكروباص" قد أعلنوا اعتصامهم في ذلك اليوم للمطالبة بزيادة الأجرة
بسبب زيادة سعر البنزين. تمتم وهو يخرج من عمله متهكما "ما شاء الله اليوم
باين من أوله".
اتجه إلى موقف
السيارات، وبعد انتظار دام لأكثر من ساعة، ويُعتبر هذا وقتا طويلا بالنسبة له، وجد
سيارة أجرة يعرفها الناس باسم " سيارات الجمعية". كان جالسا في السيارة،
كان بجواره رجل مسن كثير السعال، الذي لا يرتبط في مصر بأي من فصول العام سواء
صيفا أو شتاء، أطل برأسه خارج نافذة السيارة وتمتم "البرد أرحم من انفلونزا
الخنازير" ثم أضاف "أنا قلت اليوم باين من أوله"، سكت الرجل بدون
مقدمات فظنه مات أو قتله أحدهم ممن يخاف انفلونزا الخنازير فالتفت سريعا فوجده قد
اختفى من مقعده، ووجد فتاة رقيقة بجواره، تعجب أنه من فرط رقتها لم يلاحظ أنها تجلس
بجواره، تمتم متعجبا " سبحان الله، فرق بين شرق وغرب ". لاحظ أن الركاب
يصطفون في ممر السيارة وأنها تتحاشى أن يصطدم بها أحد أثناء مروره.
ابتسم في رقة
وهمس يعرض عليها أن يتبادلا الأماكن فقالت "يا ريت"، وبعد أن تم المُراد
لاحظت اشمئزازه من حافة الكرسي التي أمسك بها وهو يتحرك لتجلس في مكانه فقد تذكر
سعال العجوز، ابتسمت هي بدورها ثم عرضت عليه "منديل معطر"
أو"وايبس" لينظف يديه وهي تقول " اتفضل" قالتها وهي ترسم على
شفتيها ابتسامة رقيقة أبهرته حتى أصبح لا يفعل شيئا إلا النظر إليها مبتسما،
كررتها "اتفضل" فبادلها الابتسامة.
تمتم " لا
كده اليوم بقى حلو في آخره "، ثم تبادلا الحوار فبينما كانت هي تحدثه عن
الازدحام كان هو مشغولا في حوار أخر. لاحظت أنه لا يبادلها الحوار فابتسمت، أدرك
حرج موقفه فأسرع يسألها "متعرفناش؟" أخبرته إن اسمها "هنا"
"بفتح الهاء" فعبر بتلقائية" انتِ اسم على مسمى"، ضحكت من رده
ثم سألته بدورها عن اسمه وعمله.
وأثناء شعوره
بنشوة الحديث معها، تصاعد رنين الهاتف المحمول فإذا بزوجته تطمئن عليه لتعرف سبب
تأخره عن ميعاده اليومي فأجابها "الطريق زحمة موت النهار ده".
أرادت زوجته أن
تستكمل حديثها معه ولكنه أراد غير ذلك متحججا " المحطة قربت " بينما
أراد أن يستكمل حديثه مع الجميلة التي بجواره.
قبل أن ينهي
مكالمته، لاحظ أنها دارت بعينيها بين أصابعه فلاحظت "دبلة" الزواج بيده
اليسرى وظهر عليها التأثر. أدرك هو ذلك فلم يجد ما يقول. سألته " مراتك"
فلم يجد ردا إلا "آه مراتي".
أدرك أن لحظاته
الجميلة معها قد انتهت. لاحظ أن السيارة توقفت، وفي حقيقة الأمر إنها ليست المرة
الأولى التي تتوقف فيها السيارة فهي مثل القطار القشاش الذي يقف في كل محطة وفي
غير محطة بل أن سائقها ومساعده يعتبران الإنسان الواقف على الأرض ما هو إلا قيمة
النقود التي سيدفعها فيقول السائق لمساعدة " هات يا ابني الجنيه اللي على
الأرض ده" وإذا اعترضت يقول لك " نعمة على الأرض يا أستاذ، واللي يرفس
النعمة تزول من وشه".
لاحظ أن السيارة
توقفت وانتبه إلى أنه قد تخطى "المحطة" التي من المفروض أن ينزل فيها.
قال في نفسه
"بيدي لا بيد عمرو"، فاستأذن منها وقال برقة مبالغة والابتسامة تكاد تصل
ما بين أذنيه: "فرصة سعيدة يا هنا".
عاقب نفسه
بالعودة مشيا إلى المنزل، لأنه شعر كم هو ضعيف أمامهن.