يوم مختلف
ذات صباح شعرت بشيء غريب لا تعرف هل فرحة أم انتعاش أم ارتياح، لا تعرف سوى أنه شعور مختلف.
قامت من سريرها
منتعشة تشعر بمذاق يوم جديد، اتجهت إلى خارج الغرفة فوجدت والدتها قد أعدت لها
الطعام فأسرعت إليها ثم لثمتها، ابتسمت الأم وعبرت عن دهشتها بكلمة واحدة
"غريبة!"، لم تحاول أن تبرر فهي لا تجد تبريرا لما تشعر به.
أخذت حمامها
اليومي وارتدت ملابسها ثم جلست لتتناول الطعام، لم تكمل طعامها لأنها اكتشفت أنها
ستتأخر لو ظلت أكثر من ذلك ولم تتحرك بسرعة. هبت واقفة والـ"سندوتش" في
يدها واقتربت من والدتها ولثمت خديها وأسرعت إلى باب الشقة ولم تعبر والدتها عن
دهشتها إلا بتلك الكلمة الكافية "غريبة!".
لا تذكر عبير
كيف أصبحت في الشارع، هل استقلت المصعد أم أسرعت على السلم كالعادة، ركبت سيارتها
التي مازالت تسدد قسطها، حيث اضطرت إليها بعد أن ذاقت عذاب المواصلات العامة.
فكرت عبير كثيرا
في هذه الخطوة وكانت تعرف أن قسط السيارة سيبتلع نصف راتبها بينما مصاريف السيارة
من بنزين ولوازم أخرى ستبتلع الجزء الآخر، لقد اتخذت القرار قبل أن تدخل في دوامة
مساعدة الزوج في المصروفات بمجرد الارتباط المقدس، كما كانت تقتضي ظروف المعيشة في
هذه الفترة. ظلت تصارع بسيارتها في شوارع المحروسة لتستطيع السير، كانت تلتزم
الهدوء لأنها آنسة محترمة حتى وإن سمعت من يسبُها كانت تتمتم "الله
يسامحك" كانت ترددها في نفسها لأن البعض يعتبرها نوعا من السُباب. ظلت تعاني
حتى اقتربت من عملها ولم يفصلها عنه إلا شارع قصير على ناصيته كشك عم صابر بائع
الجرائد، كعادتها ضغطت صافرة السيارة لينتبه لطلبها اليومي، جريدة واحدة بعينها
لأنها كانت جريدة عادل المفضلة.
التقطتها من عم
صابر وأعطته ثمنها وأكثر كنوع من المساعدة. حاول عم صابر أن يثنيها عن إصرارها على
دفع ثمن الجريدة مثلما كان يفعل في كل مرة فهو يعرف أنها السبب المباشر في تحسن
حالته الاجتماعية فقد تضامنت مع زملائها للمطالبة بفتح الكشك لعم صابر بعد أن كان
يفترش الرصيف وهو عائل أسرته وأسرة أخيه القعيد وكلل الله جهودهم بموافقة الحي.
اجتازت الطريق حتى وصلت إلى تلك المنطقة الهادئة.
نزلت من السيارة
وأعطت مفاتيحها إلى "دقدق" السايس، وفي الحقيقة لم يكن سايس بالمعنى
المعروف ولكنه ابن حارس العقار الذي تقع فيه الشركة. استقرت على مكتبها، وأسرع
إليها "عبدو" الساعي بكوب الشاي بحليب الذي تطلبه كل صباح وأصبح جزء من
روتين عم عبدو اليومي أن يحضره إليها دون أن تطلب.
فتحت الجريدة،
فقد تعود عادل أن يفاجئها أيام الجامعة ويرسل إليها برسائله المميزة لأنه كان
يتدرب فيها، كان يكتب عن الأبراج ويكتب ما يخص برجها "العذراء" على شكل
رسالة لها، تتذكر حين كتب "برج العذراء" ستقابل من تحب في حديقة
الأسماك، كانت تفطن إلى ذلك وتهرع بعد المحاضرات لتجده ينتظرها هناك. اعتادت على
ذلك منه وكانت تحب تلك الرسائل أكثر من أي شيء آخر.
انقطعت خطاباته
التي كان يرسلها بانتظام فجأة، وكانا قد تواعدا على الزواج بعد عودته من الخارج،
تذكر آخر جملة قالها لوالدها "عبير أمامها عامين وتنتهي من الجامعة وسوف
أسافر لأعود بمجرد أن تتخرج لإتمام الخطبة"
سافر هو وأنهت
دراستها منذ عامين وتوفي والدها ولم يعد. لا تعرف سبب تذكرها كل هذه التفاصيل في
تلك اللحظة.
تمنت أن تجد ما
يسرها وقفز قلبها من مكانه حين وقعت عيناها هذه المرة على مقال قصير بعنوان
"عادل وعبير" وكانت كلماته "حكايتي هي حكاية طموح مشروع، حكاية شاب
تخرج وبحث عن عمل فوجده وهذا من توفيق الله، لكن المقابل لا يثمن ولا يغني من جوع،
فكيف يُنشئ بيتا، كيف يتزوج من أحب، سافر الشاب ليعمل ظنا منه أنه سيعود بعد عامين
ومعه ما يستطيع به أن يفي بالتزامات الزواج، عمل في كل المهن ولكنه أصيب في حادثة
سير والفاعل مجهول، ضاع من عمره عامين وليس معه ثمن تذكرة العودة ولكن الله لم
يتركه وأرسل إليه من يساعده وعاد ليبحث عن حبيبته، كتب إليها رسالة يقول فيها
"عبير أنتظرك بمكاننا القديم يوم السبت القادم في الخامسة مساء" ولكن
الرسالة عادت إليه فقد تغير عنوانها، بحث عنها فلم يجدها، تركت مسكنها وتغير
هاتفها، ترى ماذا يفعل عادل، إلى كل عادل وإلى كل عبير تمسكوا بالأمل، لا تسافر يا
عادل للعمل بالخارج، امكث في بلدك، كما ستغسل أطباقا في الخارج، اغسلها هنا، وإلى
كل عبير، تمسكي به ولا تثقلي كاهله وأخيرا إلى كل أب وكل أم "ساعدوا أبناءكم
وبناتكم لتحقيق أحلامهم ولا تكونوا العقبة الأولى في طريقهم"
ابتسمت عبير
ولثمت الجريدة وقالت " في انتظار السبت".
