القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

 



حزنٌ واحدٌ لا يكفي

 استيقظت في ذلك اليوم على ألم شديد في أذني اليسرى وكنت أعيش حلما وفجأة سقط شيء على أذني فقمت فزعاً من أثر الحادثة التي كانت في الحقيقة " مشبك غسيل" وضعه ابني الصغير حسام في أذني وأنا نائم. نظرت إليه في غضب شديد فوجدته يضحك بكل براءة، فنسيت ما فعله وأخذته بين ذراعي وسألته عن سبب فعلته فقال:

- بصحيك يا بابا زي توم وجيرى

هنا أدركت كمّ البراءة التي في إجابته فنهضت من السرير وحملته فوق كتفي وخرجت إلى الصالة وعندما شاهدتني دعاء زوجتي ضحكت حتى رجعت برأسها إلى الخلف، سألتها عن سبب ضحكتها فأشارت إلى أذني وعلى الفور أدركت أن المشبك لا يزال في أذني، فقلت لها بعد أن حررت أذني من المشبك وكذلك كتفي من حسام:

- ابنك بيقلد توم وجيري وشبك المشبك في ودني، وواضح إننا بنحس بالألم المرة الأولى بس ولما بيتكرر بنتعود عليه.

كان ذلك اليوم هو يوم إجازتي الأسبوعية فتناولت الإفطار واتفقنا على أن نذهب للنادي للنزهة، لم ينته حديثي مع دعاء حتى ارتفع رنين الهاتف فجأة ولا أدري لماذا انقبض قلبي من المكالمة، فإذا به نبيل صديقي يخبرني أن والدة مديرنا في العمل قد توفيت وعلينا الذهاب إلى الإسكندرية لتأدية واجب العزاء، أوضح لي في المكالمة أن بقية الزملاء سوف يسافرون بسياراتهم أو الأتوبيس ونحن الاثنين بالإضافة إلى زميلتين سنسافر جميعا بالقطار، وأضاف بلهجة ذات معنى أنه من الشهامة أن نصحبهما بدلا من السفر بمفردهما، حاولت الإفلات من هذه الصحبة الجميلة ولكن لم أتمكن فوافقت على مضض، بينما كانت نبرة نبيل تتغير إلى الفرحة وهو يقول:

- وتلاقي فين صحبة جميلة زي دي هوا وميه ووجه حسن، وأحلى ما فيها الوجه الحسن

حاولت الابتعاد بالهاتف عن دعاء حتى لا تسمعه فتضعه في القائمة السوداء (بلاك ليست)، غيرت الموضوع سريعا ففهم ذلك اللبيب أن زوجتي بجواري فغير من نبرة صوته وأخبرني إن أمامنا ساعتين لنتقابل في محطة مصر لنلحق بالقطار المتجه للإسكندرية بعد ساعتين ونصف من الآن. أنهيت المكالمة واستدعيت كل قدراتي على التمثيل وأنا أخبر دعاء بالخبر ولكن يبدو أن جرعة التمثيل كانت زائدة لدرجة أن دعاء أصابتها الدهشة فقالت:

- وهل كنت تعرفها من قبل؟ أظن أنك لم تحدثني عنها من قبل غير أن المدير ليس صديقك.

أدركت في هذه اللحظة أن جرعة التمثيل قد زادت وعليّ أن أجد مبررا فأخبرتها أنني تذكرت أمي رحمها الله، كررتها مرة أخرى وبالفعل تذكرت أمي ثم تذكرت أبي وكأننا إذا حزنا استدعينا كل أحزاننا وكأن حزنا واحدا لا يكفي.

دخلت إلى غرفتي لاستعد للخروج، وما هي إلا دقائق حتى سمعت "نهنهة" دعاء فأسرعت إليها فإذا هي تبكي، تعجبت لأمرها فأخبرتني إنها تذكرت أمها هي الأخرى. استعدت صلابتي لإخراجها من هذه الحالة فأنا السبب.

خرجت من البيت متجها إلى محطة مصر بعد أن استطعت تغيير حالة "موود" دعاء. وصلت إلى المحطة وليتني ما ذهبت فقد استدعت البلد كلها أحزان الماضي والحاضر وربما المستقبل، كان هناك حادث متكرر للقطار ولكن هذه المرة كان الأمر مختلفا فقد مات وأصيب من خارج القطار. وقفت حائرا ماذا أفعل وكنت أسأل نفسي أين نبيل، أخرجت هاتفي واتصلت به على الفور فلم يرد، وبعد ثوان قليلة وجدت رقم نبيل يظهر أمامي على شاشة الهاتف ووجدت نفسي أخشى الرد ولكن سرعان ما تغلبت على إحساس خوفي فسمعت صوتا غير صوت نبيل يخبرني أن صاحب هذا الهاتف ضمن المصابين في حادث القطار وهو بمستشفى (-). أسرعت إلى المستشفى فوجدته في غيبوبة ولكن الطبيب طمأنني أنه بخير فقد أصيب ببعض الكسور والحروق في القدم.

انتظرت طويلا حتى المساء وقلبي يبكي ما حدث وعيني تأبى أن تدمع لأستريح، وبعد طول انتظار أفاق نبيل رويدا رويدا ثم نظر إليَّ وأشار لأقترب منه، أطعت إشارته واقتربت وأنا أحمد الله أنه مازال لديه القدرة على الإشارة والنطق وقال:

- الحمد لله أنكم بخير ومحدش جه بدري غيري. ثم ابتسم وأضاف:

- وأنا اللى كان نفسي في الميه والهوا والوجه الحسن

التنقل السريع