القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

 

ثمن الكْريم

 أنهى صابر عمله في ذلك اليوم، بعد أن قضاه في تجهيز المادة الإسمنتية "المونة" وحملها إلى عمال البناء.

ذهب إلى رئيسه في العمل "الريس محروس" ليتقاضى أجرة يومه "اليومية"، ابتسم عندما أمسكها بيديه ثم لثمها ورفعها إلى جبهته وكرر ذلك مرتين وحمد الله ووضعها في جيب سترته وانصرف. أثناء عودته إلى المنزل تذكر أن ابنته حنان قد طلبت منه بعض الأدوات المدرسية فاتجه إلى المكتبة واشترى لها ما أرادت ثم عرج على السوق واشترى برتقالا.

 وصل البيت فوجد زوجته سعاد تنتظره وبعد أن اطمأنت عليه واطمأن عليهم اتجهت لتعد له الطعام

أسرعت حنان إليه من الداخل فأعطاها ما طلبت ثم مرر يده فوق شعرها وخدها ولثمها فقالت حنان ببراءة الأطفال "إيدك خشنة أوي"

أوضح لها صابر إن ذلك من آثار الإسمنت والجير الذي يعمل به. كانت سعاد تشاهد ذلك من بعيد فشعرت بالشفقة على صابر من قول ابنته وأيقنت أن كلمتها تركت أثرا فيه، فأخذتها جانبا وتحدثت إليها وسرعان ما عادت حنان تلثم أباها وتتأسف له فضمها لصدره وقبلها وأخبرها إنه تقبل عذرها.

سأل صابر عن ابنه الصغير فأخبرته سعاد أنه نائم وأن الأطفال الصغار ليس لهم ميعاد نوم محدد.

تناولوا الطعام وأخبرته سعاد إن "المعلم رمضان المقاول" قد أرسل ابنه "هلال" يستدعيه.

انطلق صابر قاصدا منزل رمضان لأنه يعلم أن "هلال" إذا جاء إليه فقد جاء خير كثير.

وصل إلى بيت الرجل وكان ما توقع فقد أخبره رمضان أنه تولى توفير العمال لمشروع كبير ويريد أن يكون صابر هو المسؤول عن جمع العمال في هذا المشروع لأنه يثق به ويثق في أمانته وجهده وإخلاصه.

غمرت السعادة صابر فهذا يعني أنه وضع قدمه على أول الطريق، أن يصبح مقاولا للعمال بدلا من وضعه الحالي كعامل بناء باليومية.

أثناء طريقه إلى البيت سيطرت كلمات حنان على مسامعه فدخل إلى إحدى الصيدليات واقترب من الطبيب وقال له "أريد علاجا للإسمنت"، ضحك الطبيب ثم أضاف بسخرية "ألا تريد علاجا للجبس والجير أيضا؟".

فاجأه صابر بقوله "ليت نقودي تكفي لعلاج يدي لأنها خشنة على وجه ابنتي حنان".

ترقرقت الدموع في عيني الطبيب وأدرك كم أخطأ في حق الرجل المسكين لأنه يتكلم بالفطرة.

تمالك الطبيب نفسه وأحضر له "كريم" لعلاج تشققات اليدين ونصحه أن يغسل يديه بالماء الساخن والصابون قبل أن يضع "الكريم" على يديه.

سأله صابر عن ثمن العلاج فأخبره أنه هدية منه، أصر صابر على دفع ثمنه فقال له الطبيب "لقد دفعت ثمنه بالفعل، عندما شاهدت حرصك على أن تكون يدك ناعمة كي لا تكون خشنة على وجه ابنتك، بينما يدي ناعمة ولم أفكر أن أمسح فوق رأس أبنائي، رغم عملك الشاق إلا أن حنانك على ابنتك وعطفك عليها يشغل تفكيرك، بينما غيرك لا يعاني نصف ما تعاني وتشغله عن أبنائه الأماني، لقد علمتني درسا غالي الثمن جدا، أغلى بكثير من ثمن الكريم".   

 

التنقل السريع