القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

 عوض الله

توكلت على الله في ذلك اليوم ونزلت متجها إلى العنوان الذي ورد في الإعلان عن وظيفة مدير تسويق التي وقعت عيني عليها في موقع التوظيف على الانترنت. بالطبع اتصلت بالشركة صاحبة الإعلان وحددت لي السكرتيرة موعد المقابلة. قبل أن أترك البيت ربتت زوجتي على كتفي ودعت لي بالقبول في الوظيفة وبشرتني بأن عوض الله قريب. وصلتُ إلى العنوان وصعدت إلى مقر الشركة، كانت الشركة كبيرة لها أكثر من فرع في مجال استيراد الملابس، نفس المجال الذي كنت أعمل به. وجدت عددا لا بأس به ينتظر دوره في المقابلة فجلست أنتظر بعد أن أوضحت لي السكرتيرة أن دوري هو الخامس بين المتقدمين. جلست أشاهد وأحلل وأدرس كل ما وقعت عليه عيني؛ تفحصت كل ركن من أركان الشقة الكبيرة الواسعة وأرائكها الجلدية الراقية، حتى السكرتيرة وعامل البوفيه. لاحظت عدم وجود زي موحد للعاملين أو شعار على الملابس رغم أن الشركة لها فروع في القاهرة ومحافظات أخرى وفرع في الصين أيضا؛ هذا من واقع خبرتي في المجال يضعها في تصنيف الشركات الكبرى؛ وقد وصلت إلى هذه المعلومات من خلال بحثي عن الشركة وحجمها في السوق على الانترنت قبل الذهاب للتقدم للوظيفة.

لاحظت أيضا أن الأدوات المكتبية وأطقم المكتب لا يوجد عليها شعار الشركة. دارت عيني تتفحص جدران صالة الاستقبال الواسعة فلم تلمح عيني شهادة تقدير "على سبيل المثال" من هيئة حكومية ممن تعاملت معهم الشركة من قبل، أو حتى صورة لرئيس الشركة أو مديرها مع أحد المسؤولين الكبار، مثل تلك الأشياء تعطي ثقة للعملاء في الشركة ومصداقية في التعامل. من خلال بحثي عن الشركة على الانترنت لاحظت أيضا أنها لا تعطي اهتماما للموقع الإلكتروني، حتى الوظيفة التي أعلنوا عنها يستقبلون السير الذاتية على بريد إلكتروني عام مجاني وليس البريد الإلكتروني الرسمي للشركة. أخرجت دفتر ملاحظات "نوت بوك" صغير ودونت فيه كل الملاحظات التي دارت برأسي، إنه أبى رحمه الله هو الذي علمني كيف أكون عميقا في تفكيري، لا أنظر إلى أي أحداث تمر أمامي بسطحية أو عدم اكتراث. كان ينصحني دائما رحمه الله بألا أضيع وقتي في أشياء لا تفيد.

ذهبت معه ذات مرة لشركة عقارات لشراء شقة في منطقة راقية، وكان قد اقتسم إرث جدي هو وعمي، فقابلنا موظفو المبيعات كالعادة بعروض كثيرة مبهرة. استمع أبي إلى ما قالوا وما عرضوا ثم بدأ يسألهم عن التراخيص الصادرة للعقار الذي اخترناه وطلب صورة ضوئية منها وصورة ضوئية من مستندات الأرض فتهرب الموظفون من إعطاء إجابة مقنعة، سألهم أيضا عن اسم صاحب الشركة والطاقم التنفيذي فعُقدت ألسنتهم. وجه للموظفين نصيحة قائلا " أنتم مثل أولادي وربما وجدتم هذه الوظيفة بعد عناء، لذا أنصحكم أن تتأكدوا من مصداقية الشركة التي تعملون فيها، فخيرا لكم أن تعملوا في أي مكان آخر بنصف الأجر عن العمل في شركة بدون مصداقية، ولا أريد أن أقول لفظا آخر، لأنكم ربما تتورطون معها في أعمال غير قانونية." قال هذه الجملة الأخيرة ثم استأذن وانصرف بكل بساطة وأنا أتبعه. عندما سألته عن سبب ما فعل، أخبرني أن هذه العروض وهمية. أصابتني الدهشة وسألته لماذا أطلق هذا القرار ولم يتعامل معهم، فأخرج لي صورة الإعلان وكان قد اقتطعه من إحدى الجرائد وأعطاه لي وطلب تعليقي، في الحقيقة لم أفهم شيئا ولم ألاحظ شيئا من الإعلان وكنت في سن السابعة عشر أو الثامنة عشر. أخذ أبي الإعلان وأشار إلى نصه وذكرني بالاختلاف الواضح بين نص الإعلان وبين كلام موظفي المبيعات الذين قابلونا. ثم أشار إلى عدم وجود أي شهادات من جهات سابقة تعاملت الشركة معهم أو صورة لرئيسها أو مديرها التنفيذي مع أحد المسؤولين. عندما سألته عما كان سيفعل لو حصل على المستندات التي طلبها أو عرف اسم صاحب الشركة أو مديرها، فابتسم وربت على كتفي وأخبرني أنه كان سيذهب إلى الجهات الإدارية المختصة للتأكد من صحة المستندات ويسأل عن مصداقية الأسماء التي أخبروه بها للمدير أو صاحب الشركة. ذهبت معه بعد ذلك إلى أماكن كثيرة وفي كل مرة أتعلم أشياء جديدة.

عندما شاهدت الإعلان عن الوظيفة تذكرت نصائح أبي وعملت بهاجاء دوري في الدخول إلى صاحب الشركة وكان الإعلان يطلب مدير تسويقدخلت وقد زينت وجهي بابتسامة وبعد مقابلة حسنة من المدير قدمت له أوراق السيرة الذاتية ومؤهلاتي ولكن المدير سألني، وبتعبير أدق فاجأني بسؤاله "ماذا كنت تدون"، ابتسمت وأدركت أنه كان يتابع كل المتقدمين للوظيفة من كاميرات المراقبة، أخبرته عن ملاحظاتي ثم وضحت له أن هذه الأشياء هامة في كسب ثقة العملاء وكذلك لتأكيد مصداقية الشركة في السوق والمساعدة في التسويق والانتشار السريعابتسم الرجل وأخبرني أنني فزت بالوظيفة ثم سألني عن مدى استعدادي لبدء العملأعربت له عن سعادتي بالالتحاق بالشركة وأنني على استعداد لمباشرة العمل في اليوم التالي، ثم سألته عن سبب قراره السريع حتى قبل أن يقابل من ينتظرون دورهم بعدي فأخبرني أن كل من تقدموا للوظيفة عرضوا مؤهلاتهم الشخصية وإمكانياتهم وخبراتهم دون أن يقدموا شيئا عمليا أما أنت فقدمت لي تحليلا دقيقا لوضع الشركة التسويقي وطرقا عملية لكسب ثقة العملاء وتأكيد مصداقية الشركة وهذان الأمران لا يضعهما أمامه إلا أصحاب التفكير القيادي، وأخيرا لاحظت أنك تفكر من منطلق صاحب شركة يخاف على شركته وليس مجرد موظف يتقاضى راتبا وهذا يختلف بالطبعسألني عن عملي السابق، وشعرت بالدهشة في كل ملامحه عندما علم أنني كنت صاحب شركة تعمل في مجال الملابس ونتيجة لخلاف مع شركائي، تركت الشركة وأخذت مبلغا صغيرا لا يساوي الجهد الذي بذلته فيها ولكن الشركاء تكالبوا علي وبخسوا حقيشعر الرجل بالأسف تجاهي وتعاطف معي وبشرني أن عوض الله قريب، فتذكرت زوجتي التي قالت لي نفس الجملة قبل أن أخرج من البيتوعدني الرجل بالترقي وطلب مني أن أثبت له جدارتي بالوظيفةشكرته وخرجت سعيدا وأنا أتذكر نصائح أبي وأدعوا له بالرحمة وأتذكر بشارة زوجتي التي تشابهت مع بشارة الرجل بأن عوض الله قريبوصلت إلى بيتي وأخبرت زوجتي أن الله تقبل دعاءها ووفقت في الحصول على الوظيفةمرت دقائق قليلة ووجدت اتصالا من صاحب الشركة، تزايدت ضربات قلبي خوفا من تغيير رأيه وظهرت علامات القلق على زوجتي أيضا بعد أن أخبرتها أنه هو من يتصلتلقيت المكالمة، ألقى السلام في بداية المكالمة ثم قفز قلبي من مكانه عندما نطق جملة "يؤسفني أن أخبرك أننا اخترنا مدير تسويق بدلا منكوصمت قليلا فتمتمت الحمد لله، قدر الله وما شاء فعل وكدت أنهي المكالمة ولكن الرجل أكمل حديثه أما أنت فقد اخترتك لتتولى مهمة مدير فرع الشركة في القاهرة ولكن عليك أن تتابع مع مدير التسويق الجديد النقاط التي حدثتني عنها وأنتظرك غدا زادت فرحتي، ولما أخبرت زوجتي بما دار في المكالمة قالت ألم أخبرك بأن عوض الله قريب".

التنقل السريع