شفرة الحب
منذ صغري وأنا أجيد الكلام، ليس مجرد
الكلام بل تركيب الكلمات والجمل وتوظيفها لتخرج معنى متكاملا، وهذا ما مكنني من
الحصول على الدرجات النهائية في موضوعات التعبير في مرحلة التعليم قبل الجامعي،
وحتى بعد أن التحقت بكلية الهندسة قسم الاتصالات كان أصدقائي يسندون إلى مهمة
موضوعات الإنشاء في مجلة الكلية. في تلك الفترة ابتكرت مع أصدقائي شفرة جديدة من
الكلمات العادية التي تعني أشياء مختلفة واستخدمتها طوال مدة دراستي مع أصدقائي
وقتها لنتحدث في موضوعات تخصنا أمام الآخرين ولا يفهمون شيئا مما نعنيه. بعد الانتهاء من
الدراسة سافرت إلى إحدى الدول العربية وكانت تلك ميزة يسعى إليها كل الناس في تلك
الحقبة الزمنية.
عملت في هيئة حكومية في ذلك البلد العربي،
بعد ما يقرب من خمسة سنوات قابلت رجلا من أبناء وطني وهكذا عرفني بنفسه، كان حسن
المظهر وقور الهيئة، تمت المقابلة في أحد المطاعم الشهيرة هناك وأخبرني أنه تعرف
علي من لهجتي المصرية التي سمعها أثناء حديثي مع نادل المطعم. قدم نفسه لي على
أنه مسؤول في شركة كبرى. صرنا أصدقاء وكان يتودد إلي كثيرا ونتبادل الحديث
عن ذكرياتنا في الوطن، كان يسألني عن كل شيء بطريقة غير ملحوظة، كان يسأل عن
أسرتي، حياتي الشخصية واهتماماتي وانتماءاتي السياسية والكروية وما إلى ذلك ثم
اختفى تماما بعد ما يقرب من ستة أشهر.
بعد ما يقرب ثلاثة أشهر، ظهر مرة أخرى
بشكل مفاجئ أمامي أثناء رجوعي من الدوام، صافحته ثم سألته عن فترة الغياب طلب مني
مصاحبته إلى شركته وسوف يحكي لي عنها في مكتبه. طلب مني ترك سيارتي
والذهاب معه في سيارته وسوف يرسل من يحضرها إلى مقر عمله. لم ألق بالا لهذا
الإصرار الذي بدا في كلامه عن ضرورة الذهاب معه. وصلنا إلى بناية
كبيرة مرتفعة، تظهر الفخامة على واجهة المبنى التي يصعب وصفها. ركبنا المصعد إلى
الدور العاشر، ثم دلفنا إلى مكتب فخم، كان الرجل معروفا والكل يؤدي له التحية. بعد تناول فنجان
قهوة وسيجارة من النوع الفخم، وقد تعمد ذلك لإزالة أي توتر. شرح لي أنه ضابط
مخابرات من وطني ويريدني أن أتعاون معه لحفظ السلام الداخلي والخارجي للبلد، كما
أخبرني أنني سوف أترقى في عملي وأنتقل للعمل في جهة سيادية أخرى، وبالطبع هم وراء
تلك الترقية والنقل. لخص لي المهمة في التصنت على اتصالات بعض المسؤولين في البلد الذي أقيم
فيه لصالح الوطن ولصالح هذه البلد أيضا ولكن لهؤلاء المسؤولين أذرع في كل مكان
ولذلك كانت المهمة سرية وأسندوا المهمة إلي لأنني بعيدا كل البعد عن الشبهات.
أدركت بعد طول مناقشات أنني لست مجرد صيد
ثمين لعملاء مخابرات يحاولون استخدامي ولكن هذه المهمة سوف تنقذ وطني من كارثة
وتنقذ البلد الذي أُقيم فيه أيضا. قبلت المهمة التي كانت عبارة عن نقل بعض الأخبار
والاتصالات التي يجريها بعض المسؤولين في تلك الجهة التي سوف أعمل فيها. كانت المشكلة التي
تواجهني وتواجههم أيضا هي صعوبة وضع أجهزة تسجيل أو تصنت أو إرسال إشارات من داخل
المبنى لأن أي محاولة سوف يتم كشفها وستكون غير مأمونة العواقب. كانت المكالمات
التي تمر داخل وخارج المبنى مراقبة بعناية ودقة فائقتين لذلك أسندوا إلي مهمة وضع
شفرة جديدة لغوية، ويجب أن تكون مكونة من كلمات عادية مألوفة ويتم توظيفها في جمل
عادية. تساءلت في دهشة
ولماذا أنا من أسندوا إليه هذه المهمة، سمعت الإجابة التي زادت من دهشتي " لتمارس هوايتك
القديمة في صنع شفرات جديدة " وعلمت أن ما كنت أُمارسه على سبيل الهواية
قديما انتشر كالنار في الهشيم بين الأصدقاء حتى وصل إليهم.
عكفت على وضع دليل للشفرة الجديدة يعتمد
في الأساس على كلمات عادية متعاقبة بترتيب معين ولكن كانت العقبة الأساسية هي
الموضوع الذي ستوظف فيه هذه الكلمات لتؤدي المعنى. ساعدني القدر في
تلك الفترة حيث وجدت إلحاحا من والدتي للعودة إلى وطني للارتباط بعروس قد اختارتها
لي، عدت إلى الوطن وأتممت الخطبة وكنت على وشك إتمام الارتباط ولكني تذكرت المهمة
التي أسندت إلي فاكتفيت بالخطبة فقط ليكون هذا هو الموضوع المناسب الذي سيتم توظيف
الشفرة الجديدة فيه. كان من الطبيعي أن يتصل العريس الجديد بخطيبته ليبثها عشقه وولعه وشوقه
إليها وتبادله هي عبارات الحب والعشق. اخترت شفرة الحب وهكذا أطلقت عليها فكان
لكل حرف وكلمة أبثها إلى خطيبتي معنى آخر وكانت المكالمات تتكرر يوميا بشكل قصير
ومتقطع على مدار اليوم لإبلاغ الرؤساء بكل جديد يصل إلي في مهمتي الجديدة. كنت أعرف أن
المكالمات مراقبة وتًسمع بعناية من قِبل متخصصين سواء في هذا البلد الذي أقيم فيه
أو بلدي، ولكن هيهات من يخطر بباله أن كلمات العشق ما هي إلا شفرة جديدة تُترجم
وتستخدم لتوصيل معلومات وأسرار استراتيجية إلى جهة خارجية ربما يتوقف عليها مصير
بلد بأكمله. بعد فترة الخطبة
أتممت الزواج وتم تغيير القاموس قليلا ليتناسب مع المرحلة الجديدة. ظلت زوجتي في وطني
واستمر عملي في البلد العربي، واستمرت مهمتي لمدة عشر سنوات، لا يدري أحد عن مهمتي
شيئا إلا من كلفوني بها، حتى توقفت المهمة وأنهيت عملي هناك وعدت للوطن.
كانت خطيبتي المسكينة وزوجتي الحالية
المسكينة أيضا تتصور أن كل كلام العشق والحب الذي كانت تسمعه عبر الهاتف هو عشق
وحب فيها ولوعة لفراقها ولم تدر المسكينة، وأكررها المسكينة، أنها كانت جزء من خطة
مدروسة أستخدم فيها شفرة الحب هذه لتوصيل المعلومات التي كانت مطلوبة. شعرت بالحزن في
عينيها عندما تغيرت الأوضاع وعُدت إلى الوطن ولم أعد أبثها ذلك الكلام، كانت
عيناها من آن لآخر تتساءل في صمت " أين كلام الحب والعشق الذي كنت تقوله،
ليتك ما حضرت وظللت أسمع هذا الكلام منك". لم أبح لها بالسر، بالتأكيد ليس خوفا منها
لأنها أسرار خطيرة ولكن لأنني أخشى كسرتها، خشيت أن أخذلها، فقد عاشت تستمع إلى
كلام الهوى لفترات طويلة حتى أنها كانت تجلس بجانب الهاتف تنتظر مكالمتي. كانت المسكينة
تختلق الأعذار لي لأنني لا أتكلم مثلما كنت فتُرجعها تارة إلى الظروف التي تغيرت
وتارة أخرى إلى العمل الذي تركته في الخارج.
بعد أن أدركت أنها على وشك الانكسار من
قلة كلام العشق الذي عودتها على سماعه، قررت أن أعود إلى سابق عهدي فبدأت أتكلم
معها وأحاورها؛ فلاحظت أنها بدأت تزهر وبدأت تدب فيها الحياة مرة أخرى، أدركت قيمة
الكلام الجميل لدى زوجتي، ليس زوجتي فقط، فالكلام الجميل الرقيق للمرأة يعني
الحياة. كان كلامي هذه
المرة من قلبي فعلا فقد أحببتها بالفعل حينما أعطيت لنفسي فرصة أن أحبها وتركت
لساني يعبر عن شعوري نحوها. لقد عادت الحياة إلى قلبي كما عادت إلى قلبها
وأزهرت حياتي بزهور الحب.
