لهفة الحبيب
خرجت من العمل فوجدت سيارتي معطلة وكانت
حالتي النفسية والبدنية لا تسمح بالانتظار بجانبها حتى حضور الميكانيكي، تركتها
وعزمت أن أسير حتى محطة سيارات الأجرة وكانت قريبة لحسن الحظ. وجدتها فرصة لإعطاء
نفسي فرصة الاسترخاء والاستراحة من عناء القيادة. وصلت إلى المحطة
وانتظرت قليلا حتى جاءت سيارة وركبتها. جلست في آخر مقعد في السيارة وركب أمامي
شاب وفتاة. كان الشاب وسيما
ومهندم الملابس والفتاة جميلة وطفولية الملامح. بدأ حوار بينهما
بصوت غير مرتفع وبالطبع سمعته وكانت الفتاة تلوم الشاب على إحراجها أمام زملائها
في العمل وكان يجب أن يتفهم الموقف بينما هو لامها على أنها وقفت تضحك بصوت مرتفع
أمام مبنى الشركة مع زميلها، دقائق قليلة مرت وارتفع صوتهما واشتد الخلاف بينهما
حتى بدأت الفتاة تبكي. للحظات تخيلت أنه سيضعف أمام دموعها فقد ضعفت أنا في الحقيقة أمام تلك "النهنهة" الرقيقة ولكنه لم
يفعل بل بدأ يلومها أكثر وأكثر، صمت قليلا ثم طلب من السائق أن يتوقف وتركها ونزل
من السيارة.
كان من الواضح أن الغضب سيطر عليه تماما
وغابت عنه أدنى مواقف الشهامة ليتركها وحيدة تبكي خاصة وقد أدركتُ من الحوار أنها
خطيبته. بعد نزول الشاب من
السيارة استمرت الفتاة في البكاء فاقتربت منها سيدة أربعينية وقورة الملامح وحاولت
تهدئتها وقالت لها بعض كلمات المواساة ثم أرجعت اللوم على الشاب فكيف يتركها وينزل
من السيارة، ثم بدأت في هجوم حاد عليه وأنها، أي الفتاة، لا يجب أن تبكي على شخص
لا يستحق دمعة واحدة من دموعها الغالية. الغريب في الأمر أن الفتاة بدأت تدافع عن
خطيبها وقالت إنها المرة الأولى منذ خطوبتها مما يقرب من سنة التي يتركها فيها
بمفردها وهي تبكي هكذا. صمتت قليلا ثم أضافت " مهما كنت غلطانة
كان يجي يصالحني، أنا عارفة أني غلطت بس متعودتش عليه كده، ده أحن قلب " استمرت الفتاة تعدد
من محاسن الشاب وأنه من المؤكد أن ما فعله نتيجة ضغطها عليه وأنه لم يتحمل أكثر من
ذلك، أكدت أنه لن يتركها تنام ليلتها قبل أن يصالحها، فمهما كانت تخطئ كان لا
يتحمل أن يراها تبكي. تعجبت من هذا الحب وهذه الثقة الكبيرة في أن حبيبها لن يتركها مجروحة، لن
يتركها وحيدة باكية وحتى إن كانت مخطئة فهي واثقة تماما أن حبهما سيتغلب على أي
أخطاء وأنه سيشملها بحبه وحنانه.
مرت دقائق، كانت الفتاة قد هدأت قليلا ولم
تستطع السيدة أن تزيد من هجومها على الشاب بل توقفت واكتفت بأن تربت على كتفها
وتحاول تهدئتها، كان الركاب يستمعون ويشاهدون الموقف وابتسامة عريضة تزين وجوههم،
ربما إعجابا بموقف الفتاة من حبيبها لتختلف عن فكرة "ولا يوم شفته حلو
معاك". كان السائق، مثله
مثل باقي الركاب يتابع الموقف بابتسامة عريضة ثم قام بتشغيل جهاز كاسيت السيارة
وكانت ميادة تغني:
" حبيبي كان هنا مالي
الدنيا عليٌه......
بالحب والهنا
حبيبي يا أنا يا أغلى من عينيٌه.. نسيت من أنا
ابتسمتُ لتلك المصادفة، ثم حدث شيء غريب
آخر، سمعنا صوت بوق سيارة مرتفع متكرر وظهرت سيارة تاكسي من خلفنا وبها الشاب وطلب
من السائق أن يتوقف، بالفعل توقف السائق وشكره الشاب وصعد إلى السيارة ثم جلس
بجانب الفتاة وقبل رأسها وقال لها " أنا آسف، أنا بحبك، حقك عليا" ثم أمسك يدها ونزلا
من السيارة وركبا سيارة التاكسي. تم هذا المشهد الأخير في أقل من خمسة دقائق، لم
تتمنع الفتاة بل استجابت لرغبته وسامحته وكانت بالطبع على استعداد لذلك. فكرت كثيرا فيما
حدث، لم يتكبر الشاب أن يعترف أنه أخطأ في أنه تركها في السيارة ونزل، بل عاد وصحح
خطأه قبل أن تتفاقم المشكلة، كان هذا من منطلق الشهامة والرجولة والواجب عليه.
