خليك سندي
ذهبت ياسمين إلى
منزل أسرتها لزيارتهم كعادتها ولكن هذه المرة قد تأخرت قليلا، سألتها والدتها عن
أحوالها بعد أن لاحظت عليها الحزن، هذه الزهرة التي كانت تشع نورا وبهجة ولا تترك
أحدا حولها إلا وشاكسته وأضحكته بخفة دمها، تحولت هذه الزهرة إلى وردة ذابلة لا
تبتسم إلا مجاملة لمن يحدثها. قالت لها والحزن يخيم عليها ونظرات الحسرة تطل من
عينيها:
- تعبت يا ماما، مش قادرة أستحمل حياتي معاه
- معقول؟! ده اختيارك وكنت مقتنعة بيه، فين قصة الحب اللي كانت بينكم
- كأنه لم يكن، كأنه مش هو، مش هو الإنسان اللى حبيته وحاربت واستحملت
عشانه لحد ما اتجوزنا
- استهدي بالله وقوليلي إيه اللى حصل، عملك إيه المخفي ده، أنا ملاحظة
من فترة بس مش قادرة أتكلم
- عمل كل حاجة من غير ما يعمل حاجة
- يعني إيه، بتقولى ألغاز؟
- بمعنى إنه معملش حاجة، معملش أي حاجة كنت منتظرة يعملها، كنت فاكرة إن
حياتي هتبقي غير ما هي الوقت
- يا بنتي وضّحي مش فاهمة، بلاش كلام الفلسفة ودور سقراط ده اللى انت
عايشاه
- ولا سقراط ولا حاجة يا ماما (ابتسامة باهتة)، أنا مش حاسة معاه
بالأمان، مش قادرة أعتمد عليه في حاجة، كل حاجة بطلبها يقولي اتصرفي انت
- عامة، اهو جاي يخدك نبقى نتكلم معاه، قومي استريحي عشان على معاد
المدرسة تروحي تجيبي الولاد، أنا عاملالكم محشي النهاردة، الولاد بيحبوه
- حاضر يا ماما
نهضت ياسمين متكاسلة
واتجهت إلى غرفتها التي مازالت كما تركتها فهي البنت الوحيدة في أسرتها وشقيقها
حازم متزوج ويقيم في شقة مستقلة بالقرب من شقة العائلة. دخلت إلى سريرها بعد أن
بدلت ملابسها وحاولت أن تغفو قليلا، فلم تستطع النوم ليلة أمس إلا متأخرا بعد
مشاجرة أمس. تذكرت تفاصيل ما حدث:
- انتي متدلعة ومش قد المسؤولية
- متدلعة، قولي كده إيه هي مظاهر الدلع اللى أنا باتدلعة، قولي؟؟ فُسح
كل يوم، سهر، سايباك تعمل كل حاجة لواحدك، باخرج زي ما أنا عايزة ومش مهم أي حاجة،
مش مهم البيت فيه أكل إيه، مش مهم الولاد محتاجين إيه
- انتي تقصديني بالكلام ده
- يعني عرفت نفسك، كلمة الحق طلعت بدون قصد، آه بقصدك انت، تقدر تقولي
ولادك في سنة كام الوقت؟ وإيه اسم مدرستهم، مصاريف المدرسة كام! تعرف؟ امتى آخر
مرة جبت حاجة في البيت؟ إزاي اتركبت الستائر اللى كانت مركونة لمدة سنة، تعرف
حنفية المطبخ اللى اتكسرت مين صلحها، هل حاولت في مرة تسألني إزاي مصروف البيت
بيكفي وانت مصاريفك الشخصية أكتر منه
- ياه، كل ده في قلبك وساكتة!؟
- ولسه، قولي انت بتصرف كام على القهوة مع صحابك في لعب الدومينو
والطاولة؟
- فلوسي وأنا حُر فيها
- حُر لما تكون عايش لوحدك ومفيش حد مسؤول منك، هل حاولت مرة تدور على
شغل تاني عشان تكفي بيتك، هل فكرت تطور نفسك، تكبر من شغلك؟
- عندك كلام تاني، قولي، طلعي اللى جواكي
- لا طلع انت، لو أنا مقصرة في حاجة، قول
لم يستطع الرد
وترك البيت وخرج ولم يعد إلا بعد أن نامت
تنهدت ياسمين
وهي تتذكر هذا الموقف، تذكرت أيام خطوبتها، كيف كان محمود يحضر لها كل ما تريد،
كانت تقول له
-" بابا بيقول لماما انتي بنتي الثانية، بيدلعها ومبيجيبش حاجة لينا أنا
وأخويا إلا لما يجيبلها، دلعني زي هو مابيدلعها
- أكيد يا حبيبتي، انتي حبيبتي وبنتي وكل حياتي
ثم تمتمت "
ما هو باين".
ظلت تتقلب فوق
السرير حتى غلبها النوم واستيقظت على صوت مي وعمر ابنيها وهما يتحدثان بصوت عال،
فكأنها فقدت الإحساس بالواقع وظنت أنه حلم وأغمضت عينيها بقوة ثم فتحتهما مرة أخرى
فأدركت أنها حقيقة. تركت السرير واتجهت لباب الغرفة ثم انتظرت، تمنت أن يكون محمود
هو من أحضر الأولاد ثم تمتمت "عمره ما عملها" ثم أدركت عندما انصتت جيدا
أن والدها هو من أحضرهما. خرجت إلى الصالة وحيت والدها الذي أقبل عليها وأحاطها
بذراعيه فشعرت براحة تعودت عليها بين ذراعيه وتمتمت " كنت أتمنى يكون
زيك". أسرع إليها ابنيها وانقضى اليوم بين ثرثرة مع والدتها واستذكار دروس
أبنائها حتى المساء. ارتفع رنين الهاتف بنغمته المميزة التي خصصتها ياسمين لرقم
محمود، ردت عليه " لا مش هرجع لوحدي، أو مش راجعة أصلا، تعالى بابا عايز
يتكلم معاك"
أنهت المكالمة
ثم اتجهت لوالدها وانفردت به جانبا وأفاضت إليه بمكنونها. ظل والدها متجهما، يغمره
الحزن لحال ابنته. جاء محمود، استقبلته الأسرة بطريقة عادية ثم قالت ياسمين لمي
وعمر " ادخلوا العبوا بالكمبيوتر عشان عايزين نتكلم بهدوء "، أطاعها
الأبناء دون مجادلة، جلست ياسمين وبدأ محمود حديثه
- خير يا عمي، ياسمين قالتلي حضرتك عايز تتكلم معايا
- بنتي حكيتلي على كل حاجة، ليه يا ابني مشيلها كل الحمل ده لوحدها، دي
الأمانة اللى حملتهالك؟
- ما أهو أنا.....
قاطعته ياسمين:
- عارف يعني إيه أمان بالنسبة للست، يعني لما تطلب منك طلب معقول تلبيه
وتكون مش خايفة وهي بتطلبه، لما تقولك عشان خاطري تعملها خاطر وتكون متأكدة إنك
استحالة ترفض، إنك تجبر بخاطرها على طول، يعني لما تحتاجك تلاقيك، يعني لما تغلط
متخفش تحكيلك، لما تحكيلك حتى لو حاجة هايفة تلاقيك مهتم، لما تاخد رأيك تلاقيك
مهتم، يعني متتريقش لو تخنت شوية ولا لو عملت أكل مش حلو، يعني متخلهاش تنام
وشايلة هم حاجة، يعني تنام وهي عارفة ومتأكدة إن في البيت راجل، لما تعمل مشكلة أو
تحتاج حاجة تبقى متأكدة إن وراها راجل وسند ليها، يعني لما تتعب أو تزعل تبقى
عارفة إن حضنك مفتوحلها حتى لو زعلان منها، يعني تديها ثقة وتعلي ثقتها في نفسها
قدام الكل وخاصة أهلك، يعني متخليهاش تنام وهي حزينة، يعني تكون صاحبها وحبيبها
قبل ما تكون جوزها، يعني متحسسهاش إنها راحت عليها، يعني تكون سندها وضهرها اللى
بتتحامى فيه، ولما تكون انت كده هي هتكونلك كل حاجة، هتتحمل أي حاجة لأنك انت كل
حاجة، لما تكون انت أمانها هتسمع نبض قلبها بيهتف باسمك طول العمر.
لم يصدق محمود
ما سمعه من ياسمين، لم يتصور أن حالها قد وصل لهذا الحد.
لم يستطع الكلام
وظل صامتا ثم قال لها:
"بالتأكيد كل واحد محتاج حاجة تهزه وترجعه لعقله أو ترجعه لنفسه وكلامك
ده هزني، رجَني، زلزلني وأزال كل ضباب كان على عيني وعقلي، بس صدقيني أنا كنت
محتاج لكلامك وجه في الوقت المناسب، وصدقيني أنا ندمت على كل لحظة خليتك تزعلي
فيها وندمي كان بيزيد مع كل كلمة بتقوليها وإصراري الوقت بقى أكبر إني أكونلك
السند والأمان وقبل كل ده الحبيب والصاحب والزوج."
