القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

 

قهوة سادة



 كانت عادتي التي أحرص عليها أن أعرج على مقهى "أندريا" وأنا في طريقي إلى العمل. تختلف الحياة صباحا قبل الثامنة عن بعدها، صحيح أن الصخب يملأ الدنيا بعدها وقبلها ولكن قبل الثامنة كنت أشعر أن للحياة مذاقا آخر في ذلك المقهى الذي يملكه العجوز اليوناني الذي فضل البقاء بين أرجاء المحروسة عن وطنه الأم اليونان. سألته ذات يوم فقال لي بالعربية المكسرة التي حافظ عليها رغم يقيني أنه كان بإمكانه إتقان المصرية العامية بلهجاتها المختلفة "دي بلدي يا خبيبي.. أنا أتولدت وعشت هِنا" كانت لكنته تلك محببة إلى قلبي قبل مسامعي.

كان أندريا يحفظ مشروبي المفضل الصباحي "قهوة سادة" وكان يقول لـ"سيد" الفتى المصري الأصيل الذي عشق مهنته فأجادها "هات القهوة لسي عمر"

وبالطبع أنا "سي عمر" وليس نجيب الريحاني في رائعة العبقري نيازي مصطفى "فيلم سي عمر" حتى وإن كنت "عمر الألفي" كما كان هو أيضا.

ابتسمت وأنا أتصفح الجريدة التي يحرص أندريا على أن تتواجد فوق كل منضدة لأني رأيت إعلانا عن إذاعة القناة الثانية لفيلم سي عمر أيضا.

رفعت عيني من فوق الجريدة لأراها، كانت ولم يكن سواها، لم أر في جمالها الذي أبهر عيني، ذلك الوجه الملائكي، بشرتها البيضاء بياض الثلج الأوروبي فوق التلال وعيناها الملونة التي تشدك من أول نظرة وفستانها الأسود الذي تزينه قطع حمراء فوق الكتف والأكمام.

تلك القبعة السوداء التي تعلو رأسها وترسو فوق الأمواج الذهبية التي تفيض من تحتها لتكسو الكتف.

كانت بارعة في اختيار زينتها، خاصة أحمر الشفاه الداكن الذي يزين شفتيها والحقيبة الصغيرة الحمراء المعلقة على ذراعها. استقرت في قلبي قبل أن تستقر خلف منضدة في أحد أركان المقهى. هرول إليها سيد قبل أن تُشير إليه وكيف لا يفعل وقد هرولت إليها عيون كل الزبائن حتى أندريا العجوز.

طلبت منه ما طلبت فلم أنتبه إلا لحركات شفتيها وقد شغلني تأمل جمالهما وهما تعزفان سيمفونية الكلمات حتى وإن لم أسمعها عن تخمين ما قالت.

انتظرت حتى أحضر لها سيد فنجان القهوة، بل الأحرى أن أقول إنني لم أستيقظ من غفوتي إلا وسيد قد أحضر لها القهوة، وبالطبع أحضرها سريعا قبل أن يحضر قهوتي وهيهات أن ألومه على ذلك ولو كنت مكانه لتأخرت أكثر حتى تستمتع العيون بهذا الجمال المبهر. اقتربت منها ولم تكن المرة الأولى التي أفرض فيها نفسي على الجميلات من رواد المقهى.

وقفت بالقرب منها وقلت "مساء الخير"، ابتسمت ونظرت إليَّ فلم أجد ما أضيفه فانتظرت حتى أنهت ابتسامتها وقالت "تقصد صباح الخير"، رقص قلبي فرحا لأنها لم تصدني "أظن من يراكِ لا يعرف صباحه من مسائه"، ابتسمت ولكن كانت ابتسامتها مختلفة هذه المرة "الأهم أن يكون خيرا"، وجدتها فرصة لا تعوض لفتح حوار مع هذا الملاك الباسم "بالتأكيد، وهل يقترب منك إلا الخيرون أمثالي" اتسعت ابتسامتها فأضفت سريعا "أظنك تعودتِ على المتطفلين أمثالي فمن ذا الذي يتمالك نفسه أمام حورية مثلك، ابتسمت وأشاحت بوجهها قليلا إلى الجهة الأخرى ثم إلى الأرض لتداري ابتسامتها وقد تخيلت أن هذه الابتسامة دليل على قبولي ولكن ما قالته كاد أن يُسرب إليَّ الإحباط.

قالت "هل من الممكن أيها المتطفل أن تتركني أختلي بقهوتي؟"

كنت على وشك الرحيل ولكن رائحة القهوة مدتني بالكلمات فقلت على الفور "أنصحك أن تتركي رائحتها تداعب رأسك قبل أن تشربيها"

فعلت ما نصحتها به، فاقتربت من الفنجان وتركت رائحة القهوة تتخللها وهي تُغمض عينيها. حاولت أن أنتهز هذه اللحظة فقلت "اسمحي لي أن أكون لك كالسكر في قهوتك، فيبدو أن بداخلك مرارة أكثر من مرارة القهوة السادة"

ابتسمت ثم قالت "أحب قهوتي سادة"

تلون وجهي باللون القرمزي فقد نسيت التطفل واندفعت مشاعري تلتف حولها، هي فقط.

آثرت أن أنسحب ولكن يبدو أن للقهوة التي أحضرها لي سيد مفعول السحر وقد تركها فوق منضدتها كتأييد لطلبي لها فقالت "يمكنك أن تتناول قهوتك معي إن كانت قهوة سادة"، ثم اقتربت لتصلها رائحة القهوة فابتسمت وقالت "يمكنك إذن الجلوس، إنها بالفعل سادة".

فقلت على الفور "وهل تُشرب القهوة إلا سادة".

كانت تلك المرة الأولى ولم تكن الأخيرة، اشتركنا معا في القهوة السادة ولكن حياتي معها كانت "سكر زيادة" فلم أر منها غير ما تفعله رائحة القهوة برأس أصابها الألم فلم تستقم حياتي بدونها ولم ترق لي الحياة بدون رائحتها هي وليست رائحة القهوة، جمعني معها الحب كما جمعتنا قهوة أندريا.

ظلت رائحة قهوتها تداعب رأسي وتشاركني حياتي حتى رحلت عني صاحبة القهوة، ولم يتبقى لي غير ذكرياتها التي تملأ عليّ حياتي وتلح عليّ كلماتها وذكرياتها وأنا أتناول قهوتي كما أفعل الآن.

أكتب هذه الكلمات لأحكي ذكرياتي معها وذكرى لقائنا الأول وأنا جالس في الشرفة أتناول "قهوة سادة".

التنقل السريع