القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

 


ذات يوم أسرع زملائي في الفصل إلى الباب بمجرد أن دق جرس انتهاء اليوم الدراسي، كانوا يتصارعون على الخروج وكأن الفصل يقذفهم من فمه، تدافعوا، تساقطوا، تألموا، وأخيرا فرحوا، الغريب أنهم أطلقوا صيحات الفرح وهم يتساقطون ولما انتهى الصراع وخرجوا إلى البراح، راح كل منهم ينشغل في حاله. انتظرت حتى نجح الهروب والتفت لألتقط حاجياتي فلاحظت أن المعلمة واقفة تنظر إلي وتبتسم ثم سألتني عن سبب انتظاري حتى انتهاء التزاحم، لم أفكر في الرد وانطلق لساني بعبارة واحدة "أنا مختلف". ضحكت حتى عادت برأسها إلى الخلف وقالت لي "إذن، لابد أن تكون مختلفا في كل شيء طالما الاختلاف في صالحك". مرت الأيام متسارعة، يوم وراء يوم، وأنا أحافظ على نصيحتها وأضعها نصب عيني، لابد أن أكون مختلفا.  كنت أبحث دائما عن الشيء المختلف، الطريق المختلف لأسير فيه، ولم أنسَ الشق الآخر من النصيحة "طالما الاختلاف في صالحك"


أنهيت التعليم الثانوي ووجدت أبي يفاجئني بكلامه "استعد يا سيادة الطبيب لتحمل راية الطب من أبيك"، حلت كلماتي كالصاعقة عليه عندما أخبرته أنني أريد الالتحاق بكلية الهندسة، ظل يعدد لي أقاربي من الأطباء وحالهم المادي المتميز ووضعهم الاجتماعي الرائع، وكيف أن فلان ابن فلان اشترى سيارة وعيادتين وكيف وكيف، أصررت على موقفي وتركته يهدأ ثم أوضحت له أنني اخترت تخصصا مختلفا ومازال جديدا في كلية الهندسة وأنني راسلت إحدى أكبر الجامعات في ماليزيا التي تفوقت على جامعات أوروبا في هذا التخصص وأنها أرسلت لي حسابا إلكترونيا على موقعها الإلكتروني يتيح لي التجول بين أروقة الكتب لأطلع على هذا العلم الجديد ورحبت بي إذا فكرت في استكمال دراستي هناك، وذلك بعد أن أعددت دراسة كاملة عن فرص النجاح المتاحة لهذا التخصص في كثير من المجالات ومعها شركات عملاقة. وافق أبي على مضض، وحققت رغبتي واقتنع بحماسي وتركني أخوض تجربة مختلفة. في البداية كان الطريق صعبا للغاية لأنه طريق مختلف، الدراسة ليست بسهولة الثانوية العامة، المنهج يتجدد ويتطور أثناء الدراسة، الأدوات مكلفة للغاية وطرق الدراسة تعتمد على البحث العلمي وليس التلقين، جانبها العملي أكثر بمثير من جانبها النظري. صممت على النجاح، وللحق لم يدخر أبي جهدا أو مالا في مساعدتي فنحن لسنا ضدين وفي النهاية هو يريد لي النجاح وهو أحرص من حولي أن أصبح أفضل منه، هكذا كان يردد مرارا وتكرارا. سافرت إلى ماليزيا عدة مرات أثناء الدراسة وتوطدت علاقاتي بكثير من المهتمين بالمجال هناك وكذلك علاقاتي بأساتذتي وزملائي وكانوا يطلقون علي "المختلف" كنت أحرص أن تكون وسائلي إلى المعلومة مختلفة ووسائلي للتعبير عنها أيضا مختلفة، حتى ردود أفعالي كانت مختلفة.

أنهيت دراستي ووجدتها فرصة رائعة أن أقدم بحثا ودراسة جدوى مكتملة التفاصيل لإحدى الشركات الماليزية الكبرى لإنشاء فرع لها في بلدي. وافقت الشركة، بل ورحبت لأن الفكرة التي قدمتها لتطبق كانت مختلفة.

عندما أصبحت المدير الإقليمي للشركة الوحيدة من نوعها في الشرق الأوسط جاء أبي لزيارتي ورؤية ابنه وهو قد حقق بعض أحلامه التي شجعني لتحقيقها. شاهدت ابتسامة أبي وقد اغرورقت عيناه بالدموع فرحا من أجلي، حينها لثمتُ يديه وقُلت "شجعتني رغم أنك كنت تحلم أن تراني "بالبالطو الأبيض" وأن تزورني في عيادتي". أشار أبي بيديه لأصمت وقال "ولدي أنا حلمي أن أراك سعيدا وناجحا ويشار إليك بالبنان وها أنت ذا قد حققت لي هذا الحلم ولا تنسَ نصيحة معلمتك "لابد أن تكون مختلفا في كل شيء طالما الاختلاف في صالحك ". 

التنقل السريع