ذات يوم، خرجتُ غاضبا من المنزل، حاولت أمي اللحاق بي وهي تناديني كي
لا أخرج وأنا في تلك الحالة. كانت الساعة لم تتعد العاشرة صباحا ولم تذق عيني
النوم في الليلة السابقة لأنني كنت أفكر في حل للمشكلة التي واجهتني لبدء مشروعي
الأول في بداية حياتي العملية وهي مشكلة التمويل. في ذلك الصباح، طلبت من أبي أن
يساعدني في الحصول على قرض من البنك الذي كان يعمل فيه، ولكنه رفض رغم يقيني أنه
كان يستطيع أن يساعدني. كان هذا هو الحل الذي وجدته بعد طول تفكير وأنا أتقلب في
فراشي أبحث عن حل لمشكلة التمويل تلك. شعرت أن الحل الذي وصلت إليه كان مجرد سراب،
وأن حلمي بعمل مشروع جديد قد تبدد. فكرت في مكان لكي أذهب إليه لأريح أعصابي وأستطيع
التفكير؛ رفضت فكرة المقهى لكثرة الضوضاء وأنا أحتاج للهدوء. تذكرت حديقة الأزهار
التي مررت من أمامها منذ أيام وتمنيت لحظتها أن أدخلها لأجلس بين الأزهار. عزمتُ
على الذهاب إليها لأنعم بألوانها الزاهية وعبيرها الفواح والهدوء الذي تتمتع به
الحدائق. وصلت إلى الحديقة ودخلت بعد سداد رسوم الدخول. جلست على أحد المقاعد
الخشبية، كانت الحديقة هادئة ومشهد الأزهار جميل للغاية. بينما أفكر في حل للمشكلة
وجدت فراشة صغيرة تقف فوق إحدى الأزهار وتحاول أن تطير، وكانت تصارع من أجل الطيران
وكأنه صراع من أجل الحياة ثم توقفت فجأة وكأنها تعبت. شعرت بالشفقة تجاهها فحاولت مساعدتها
قليلا لتستطيع الطيران، حاولت أن أساعدها لكي تطير، بالفعل ساعدتها؛ حملتها بيدي
ودفعتها لأعلى، وليتني ما فعلت، فقد سقطت بعد أن قذفتها لأعلى لأن أجنحتها كانت
ضعيفة لا تستطيع الطيران. شعرت أنني أخطأت واندفعت وراء عاطفة الشفقة ولم أفكر في
أن الفراشة لم يكتمل نمو أجنحتها بعد، ولم تقوَ على الطيران، بل ربما تموت، وبدلا
من مساعدتها سببت لها ضررا كبيرا.
بعد أن أفقت من شرودي لم أرَ الفراشة، لا أعلم أين ذهبت فقد اختفت،
وربما حاولت الطيران مرة أخرى فسقطت بين الأزهار، ربما حدث لها شيء آخر لا أعرفه.
سيطر علي تساؤل "لماذا تعرضت لهذا الموقف الآن، هل هي علامة على
شيء معين؟" ثم فكرت في أمر الفراشة. كانت تحاول أن تطير وعندما ساعدتها قبل
أن تنضج أجنحتها سقطت. هذا نفس حالي، أحاول أن أخرج من مشكلتي وأبي يستطيع مساعدتي
ولكنه رفض ذلك، ربما رأى ما لم أره، ربما رأى أنه إذا ساعدني لأبدأ مشروعي بالقرض
ولم يشتد عودي بعد فقد أفشل، وربما أدى هذا الفشل إلى يأس من العمل أو إلى خسارة
كبيرة تطيح بأحلامي إلى الأبد. إذن لابد أن هناك علاقة بين حالي وبين حال الفراشة
وأن هذه علامة على عدم التعجل.
أفقت من شرودي فوجدت اتصالا من أبي، طلب مني العودة إلى المنزل. لبيت
طلبه وكانت الساعة قد اقتربت من الثانية مساء وقد مر بي الوقت في الحديقة ولم أشعر
به. وصلت البيت وكانت أمي قد أعدت طعام الغداء. كان أبي جالسا أمام السفرة وكذلك
إخوتي، أحضرت أمي صنفا آخر من أصناف الطعام وجلست هي الأخرى إلى السفرة. ألقيت
السلام وجلست إلى الطعام ولم أتحدث عن أي شيء. ابتسم أبي وبدأ الحديث قائلا:
- ما أخبار الفراشة؟
وهنا بلغت بي الدهشة مبلغا
عظيما حتى صرت كالأبله فاتحا فمي وعيني، ولم أتفوه بكلمة غير "ماذا؟". هنا
ضحك أبي بشدة وقال:
- لا تذهب بخيالك بعيدا، فأبوك ليس ساحرا أو عرافا. لقد نزلت خلفك
سريعا، ولم أتحمل أن أتركك وأنت غاضب، خشيت عليك من نفسك، ولما رأيتك دخلت
الحديقة، دخلت خلفك وشاهدتك تساعد الفراشة ثم شردت طويلا فعلمت أنك هدأت فتركتك في
شرودك وعدت إلى المنزل وأظنك قد هدأت قليلا لنتناقش.
زالت دهشتي ولكن لم أتفوه بكلمة بينما استطرد أبي قائلا:
- دعنا نفكر بطريقة منطقية، أنت في بداية حياتك العملية وليس لديك
خبرة في أي مجال، أنهيت الدراسة الجامعية وتريد أن تبدأ مشروعا لا تعرف عنه شيئا
سوى أنه مشروع مربح ووجدت كثيرا من أصدقائك وممن حولك يُرحبون بالفكرة ويشجعونك
عليها، أنا أشجعك على العمل الحر أيضا ولكن لابد أن يكون لديك الخبرة الكافية
لتبدأ فيه، ماذا تعرف عن الاستيراد والتصدير؟ هل تعرف غير الاسم فقط؟ ماذا سوف
تستورد؟ هل تستطيع تقييم ما سوف تستورده بالنسبة للسوق المحلي؟ هل لديك دراسة
للسوق وماذا يحتاج؟ هل يمكنك اكتشاف عيوب المنتج الذي سوف تستورده إذا أوقعك حظك
في تاجر أو شركة أو وسيط أعطاك منتجا مغشوشا لما فطن لعدم علمك وقلة خبرتك؟ وهذا
بالطبع ينطبق على التصدير. يا ولدي لابد من الخبرة والدراية بالمشروع. المال ليس
العامل الرئيسي للنجاح، فيمكنك أن تبدأ مشروعات كثيرة بدون رأس مال ضخم ولكن لابد
أن يكون رأس مال الخبرة متوفرة لديك. إن أغلبية فشل المشروعات التي وردت علي أثناء
عملي كانت بسبب نقص الخبرة لأصحابها.
فكرت قليلا في كلامه ثم دعتني أمي إلى الطعام، فابتسم أبي وقال:
- هيا إلى الطعام ولنستكمل كلامنا بعد أن ننتهي إذا أردت ذلك.
بعد أن انتهيت من الطعام اقتربت من أبي وكان يتناول الشاي وهو مشروبه
المفضل، وكان يتابع التلفاز فأغلقه وانتبه لي وقال:
- هل فكرت في كلامي؟
أجبته أنني اقتنعت ورأيت الفراشة دليلا عمليا أمامي فعندما ساعدتها
على الطيران قبل أن يكتمل نمو أجنحتها سقطت. ابتسم أبي وقال:
- وهكذا أنت يا ولدي، أجنحتك هي الخبرة والعلم والتخطيط السليم
والمال، هذه هي أجنحتك في مشروعك، فإذا اكتفيت بجناح واحد فسوف تسقط كما سقطت
الفراشة.
