-1-
كـم
من صدفــــه تعنــي مقصــداً ولـَم يستوعبــــوا
كان ثمة شاب في العقد الثاني من عمره، نحيف الجسم، وبشرته
تميل قليلا إلى اللون الخمري، متوسط الطول، قد خرج لتوه من باب مستشفى ليجد نفسه
في شارع شبه خال وهو الشارع الخلفي لمستشفى التأمين الصحي الذي كان يُعالج فيها بمنطقة
الدقي. كان يرتدي معطفا أسود طويلا يشد طرفيه حوله كأنه
يحتمي به، ليس من الهواء الذي كان يلفحه، ولكن من شيء يخشى حدوثه، كان يمسك بيده
حقيبة ملابس متوسطة الحجم. كان الشارع يسوده الهدوء، خال من المارة تقريبا
والمحلات مغلقة.
كان أحمد صادق شارد الذهن وإذا به يشعر بدفعة قوية لم يستطع أن يتحملها واختل توازنه وكاد أن
يسقط، ولما أفاق من المفاجأة وجد شخصا ضخم الجثة،
قاسي الملامح، زائغ العينين، دفعه إلى مدخل أحد العقارات في هذا الشارع الذي يصل المستشفى
بالميدان، هدده بمسدس كان في يده وطلب منه أن
يخلع معطفه، وأن يعطيه الحقيبة. كان أحمد يرتعد، أصابه الاضطراب، لكنه تمالك نفسه
سريعا، تغيرت ملامح وجهه فضغط على جانبه كأنما يصارع ألما ما ويريد أن يتغلب عليه.
لاحظ اضطراب الرجل والحقيبة السوداء التي بيده فقال له:
- ماذا تريد؟ ولماذا تريد المعطف والحقيبة؟
تلفت الرجل بارتباك يمينا ويسارا وقال وهو يشير بالمسدس:
- كفاك ثرثرة، أعطني المعطف والحقيبة.
صرخ أحمد بصوت مرتفع طلبا للإغاثة ورفضا لطلب الرجل:
- المعطف والحقيبة؟
لا.
- أنت كثير
الثرثرة ويجب أن تصمت للأبد.
هَمّ أن يطلق عليه النار من مسدسه الكاتم للصوت. لاحظ أحمد
اضطراب الرجل وشد انتباهه الحقيبة البلاستيكية التي كان يمسكها فأدرك أنه لص مطارد
ويريد الحقيبة ليدس بها الحقيبة البلاستيكية ويريد المعطف ليقوم بعملية تخف. قبل
أن يتحرك الرجل، صرخ أحمد "الشرطة، الشرطة"
فالتفت الرجل ولم يفطن إلى خدعة أحمد. وفي سرعة البرق دفعة أحمد بقوة
فسقط أرضا فانقض عليه وضربه بحجر على رأسه، وكان من حسن الحظ أن العقار تحت
الإنشاء وهناك مواد بناء كثيرة في المكان.
أخذ أحمد الحقيبة البلاستيكية ووضعها بداخل حقيبة ملابسه وانطلق مسرعا
يعدو بعيدا. ثم دارت بخاطره هذه الأفكار، "ماذا فعلت، لقد أقحمت نفسي
في أمر بالغ الخطورة ولا أعلم في أي طريق أسير، ولا أعلم
حتى نهايته، أهو خير أم شر، إن الأمور تتشابك في بدايتها وأخشى أن تتعقد أكثر
وأكثر، وماذا سأفعل بهذه الحقيبة الآن؟ هل سيضيع شبابي مرة أخرى أم سوف أعوض ما فاتني؟ إنه قدري الذي لا أستطيع
أن أفلت منه مهما فعلت، ذلك القدر الذي يلاحقني أينما
كنت وأينما أكون. ثم نطق جملة واحدة بعد ابتسامة عريضة!!
سوف أعوض ما فات ولن أسمح لأي عقبات أن تثنيني عن تعويض أيام عمري التي ضاعت.

