القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

اتجاه اجباري - الفصل الثاني




 -2-

 

أهيم على وجهي وأعلم مقصدي

ورحى الأيام تدور وتسحبُ

 


 

انطلق أحمد مسرعا بكل ما أوتي من قوة وهو يحمل حقيبة النقود بداخل حقيبة ملابسه، ثم هدأ من سرعته وسار بخطى أقل سرعة حتى ابتعد عن المكان ودخل منطقة ميدان الدقي، وهنا شعر ببعض الأمان وسط الناس، حيث يمتلئ الميدان بالسيارات التي يزيد عددها عن عدد المارة في الميدان. تلفت أحمد حوله فشاهد الباعة الجائلين وقد افترشوا جزء كبيرا من الرصيف على جانبي الطريق. شعر أحمد بالارتياح فغالبا ما يشعر المرء بالأمان وسط الزحام.



حاول أحمد أن يسيطر على خوفه وسار بشيء من الاتزان. وقف أمام كثير من المحلات التي تنتشر في شارع التحرير وكان يتخير المحلات ذات الواجهات الزجاجية الكبيرة ليرى إن كان أحد يراقبه أو يتعقبه دون أن يتلفت- شاهد ذلك في أحد الأفلام البوليسية الأجنبية - لم يلاحظ أحدا فأخذ نفسا عميقا واستأنف سيره. دخل محلا للملابس واشترى ملابس جديدة ثم بدل ملابسه داخل المحل وخرج، بينما هو يفكر في خطته القادمة إذ برائحة جميلة، لم يعتدها منذ سنوات، تسللت إلى أنفه، إنها رائحة الشواء التي افتقدها منذ زمن. توجه إلى حيث الرائحة فإذا بمجموعة من الدجاجات التي تتلوى فوق أسياخ الشواء داخل فرن كبير ذو واجهة زجاجية عند مدخل المطعم، تخيلها تناديه أن يرحمها من عذابها وهي لا تعلم أن مخلصها سيضعها بين أنيابه وينهشها بكل طاقته، ابتسم برقة ثم دخل المطعم وجلس برهة حتى جاءه النادل.

ابتسم أحمد وهو ينظر إلى الدجاج وقال:

- أريد دجاجة من فضلك

ابتسم أيضا النادل وهو يهم بكتابة طلباته وقال:

- دجاجة كاملة؟

كان أحمد لا يزال مبتسما وقد أدرك دهشة الرجل فقال:

- أريد دجاجة فقط بدون خبز أو أرز أو سلاطة

هز النادل رأسه متفهما وقال:

- كما تأمر سيدي.           


انصرف النادل ثم توجه لكي يلبي طلبات أحمد. شعر النادل بالدهشة لأن معظم رواد المطعم يطلبون ربع أو نصف دجاجة مع الأرز والسلطات، ولكن أحمد طلب دجاجة كاملة فقط بدون إضافات. بعد دقائق، أحضر الدجاجة إلى أحمد الذي التقطها فور هبوطها على المنضدة وكأنهما (أحمد والدجاجة) على لقاء ودار بينهما حوار غرامي من جانب أحمد الذي غمره الشوق وفضحته عيونه، وقد تلقى الدجاجة كالحبيب الذي التقى حبيبه بعد طول غياب.

انصرف النادل بعد رؤيته لهذا اللقاء الحار وذهب لكي يحضر له زجاجة مياه.

أجهز أحمد على الدجاجة، ثم تناول زجاجة المياه، وأشار إلى النادل الذي كان يتابعه من آن لآخر. حضر إليه النادل فدفع ثمن الطعام ثم زاد عليه (بقشيش) النادل وانصرف. تابعة النادل حتى خرج من المطعم ونظر إلى يده وبها (البقشيش) وابتسم.

تابع أحمد السير في طريقه وكان يتمتم" ماذا سأفعل وهل ما سأفعله صحيح أم خطأ. لقد تربيت منذ صغري وتعلمت كيف أفرق بين الحلال والحرام، والصحيح والخطأ. تربيت على أن الطريق الصحيح نهايته معروفة وطريق السوء نهايته أيضا معروفة".

أنهى شروده فوجد نفسه أمام أحد محلات العصير المشهورة في شارع التحرير، نظر أحمد إلى اللافتة فوجد اسمها بالإنجليزية المعربة (نايس درينك) ولو أن الاسم عربي لكان أسهل نطقا وأجمل معنى ولكنها عقدة الخواجة. نظر إلى قائمة العصائر المعلقة فوجد بها أنواعا غير معروفة من العصائر لم يسمع عنها من قبل حتى أنه ظن أن من الممكن أن يجد لبن العصفور من ضمن أسماء العصائر في القائمة. استقر أخيرا على أن يختار كوبا كبيرا من عصير المانجو ووقف يتناوله وهو يتطلع إلى وجوه مرتادي المحل من الزبائن ما بين متوسطي الحال وميسوري الحال من أصحاب السيارات الفارهة.



شاهد بعض الشباب ممن تقترب أعمارهم من عمره ومن بينهم شاب وفتاة في مثل عمره، فقارن حاله وحال الشاب الذي يصحب فتاته الجميلة ويجلسان في السيارة الفارهة ويتناولان العصير وتكسو السعادة ملامحهما. عاد أحمد يفكر في مصيره ومصير الحقيبة التي ستغير مجرى حياته وكانت ثمة فكرة تسيطر على عقله كما يسيطر الفارس على فرسه فيوجهه كيفما شاء. تمتم بصوت منخفض وهاجم حظه العسر الذي أفقده بضعة سنوات من عمره في المستشفيات، بين غرف العمليات وغرف العناية، وأسّرة المرض، وإحساس الشفقة الذي كان يراه في عيون ملائكة الرحمة، ورسل العناية الإلهية، وأسرته البائسة التي تكلفت فوق طاقتها بين تكلفة علاج وتنقل معه من مستشفى لآخر. أضاف بصوت مرتفع قليلا وقد فاض به "من يتحمل خطأ سائق متهور أو مخمور وإهمال طبي وظروف صعبة، من يتحمل ما ضاع من عمري، ثلاث سنوات من زهرة شبابي ضاعت في المستشفيات لا أرى إلا نظرات الشفقة في عيون رفقاء المرضى وملامح الألم على ذويهم، ولا أسمع إلا أنّات الألم وكلمات المواساة ولا أشم إلا رائحة العقاقير ولا أشعر إلا بالآلام، من يتحمل؟ من يدفع الفاتورة؟".



 أنهى أحمد كوب العصير ثم ابتسم وتمتم " لقد تأكدت أن هناك من يتعقبني".

سدد أحمد ثمن العصير ثم استأنف طريقه حتى وجد نفسه قد اجتاز شارع التحرير ورأى أمامه أحد الفنادق الكبرى التي تطل على النيل مباشرة. دخل أحمد الفندق ثم توجه إلى مكتب الاستقبال وأخرج هويته الشخصية.

نظر أحمد إلى موظف الاستقبال وابتسم برقة وأعطاه هويته وقال:

- مساء الخير، أريد حجز غرفة لشخص واحد

ابتسم موظف الاستقبال ونظر في البطاقة ثم قال:

- يشرفنا ذلك أستاذ أحمد، كم المدة؟

رد أحمد بصوت هادئ والابتسامة لا تزال تكسو وجهه:

- أشكرك، أسبوع، ومن الممكن أن تزيد.

بحث موظف الاستقبال في جهاز الحاسب الذي أمامه وقال:

- تم حجز الغرفة ولكن يجب دفع مبلغ من المال مقدما (تحت الحساب).

رد أحمد سريعا وهو يخرج بعض النقود من جيب سترته:

 - حسنا (أعطاه بعض النقود)، تفضل

ابتسم موظف الاستقبال ثم سأل أحمد:

- هل الحقائب بالخارج؟ لكي أرسل أحد العاملين لإحضارها.



هز أحمد رأسه وقال:

- لا ليس معي إلا هذه الحقيبة، غدا تحضر لي شركة الشحن باقي الحقائب لأنني لم أتمكن من تجهيزها بسبب الحضور فجأة.

أحضر الموظف أحد المفاتيح من مكان مخصص لها خلفه وقال:

- حسنا، تفضل (أعطاه مفتاحا إلكترونيا وعليه رقم الغرفة).

ابتسم أحمد وهز رأسه تحية وقال:

 - أنا ممتن لك.

اتجه أحمد إلى المصعد ومعه الحقيبة وبها النقود ثم اتجه إلى غرفته. اتجه إلى الحمام وأخذ حماما ساخنا وغير ملابسه بأخرى. ألقى بجسده على السرير وحاول أن يجد حلا. شرد كثيرا ثم نظر إلى الحقيبة وتمتم " ماذا سأفعل بهذا الهم الذي أحمله، كيف ستغمض عيني، ماذا سأفعل بها؟ هل اتخذت قرارا نهائيا؟ إذن لماذا أشعر أنني تسرعت في قراري؟ لا، سأترك نفسي للأقدار تفعل ما تفعل، ولن أحمل هم غد. من الأفضل أن أستمتع بلحظتي وأترك الألم للحظته. هل سأتألم وحدي لحظتها أم سوف أسبب الألم لأقرب الناس لي. لقد فكرت جيدا قبل أن أتخذ هذه الخطوة، لا لم أفكر. خطوت أول خطوة في طريق تحقيق أحلامي. صمت أحمد فترة طويلة ثم أضاف" يبدو إنها خطوتي نحو النهاية لا البداية". ظل هكذا حتى غلبه النوم، إنه السلطان الذي إذا أمر يُطاع.

 


كانت ثمة سيارة تتبع أحمد منذ أن تشاجر مع اللص (بشير) حتى دخل الفندق وكانت بها سيدة - في العقد الثالث من العمر فارهة الجمال، طويلة القامة، شقراء الشعر، ذات بشرة بيضاء، عينين واسعتين، تتمتع بقدر كبير من الجاذبية. تتبعت أحمد حتى دخل الفندق، تبعته في هدوء حتى تأكدت أنه حجز غرفة في الفندق وصعد إليها، ثم انصرفت مسرعة وانطلقت بسيارتها. توقفت السيارة لبرهة أمام إحدى البنايات المرتفعة بمنطقة المعادي، تطل على كورنيش النيل. نزلت منها الشقراء وتوجهت إلى المصعد الذي حملها إلى الطابق العاشر بالبناية ومنه إلى إحدى الشقق وطرقت الباب -ولم تضغط مفتاح الجرس –

فتح الباب لها رجل شرس الطبع، ضخم الجثة، غليظ الملامح. نظرت اليه الشقراء بامتعاض ثم دخلت الشقة دون أن تتفوه بكلمة. خرج إليها من غرفة جانبية رجل آخر تبدو ملامحه أقل غلظة وقال:

- ما الأخبار يا رشا؟

تنهدت رشا وقالت وقد عقدت حاجبيها:

- أخبار سيئة، بشير قُبض عليه، وجدته الشرطة فاقد الوعي في مدخل إحدى البنايات بعد أن ضربه أحدهم على رأسه وأخذ حقيبة النقود وهرب (ثم قصت عليه باقي التفاصيل).

 

 


 

 

التنقل السريع