حرماني من امتلاك جهاز كمبيوتر بسبب الظروف
المادية السيئة التي عشتها وأنا صغير مع أسرتي كان سببا في لهفتي أن اقتنص كل
دقيقة أمام جهاز الكمبيوتر في أثناء حصولي على دورة تدريبية مجانية تتبع وزارة
الاتصالات. كان ذلك بعد تخرجي من كلية الآداب. وجدت إعلان المنحة في الجرائد وكان
هذا اتجاها عاما في الوزارة وهو توفير منح في الكمبيوتر للشباب والتي عرفت وقتئذ
بمنحة إي سي دي إل. اعتدت على دخول قاعة الدراسة، في الشركة التي كانت تنفذ المنحة،
قبل بداية الدورة التدريبية لاقتنص أكبر دقائق ممكنة أمام جهاز الكمبيوتر قبل دخول
المدرب، وكذلك أنتظر بعد انتهاء الدورة لأقوم بتطبيق ما تم دراسته.
أدى ذلك الحرص على الاستفادة من الدورة التدريبية
بأقصى درجة ممكنة إلى أن أصبحت أفضل طالب بهذه الدورة التدريبية. كان المدرب
يشجعني على ذلك ويجيب على كل أسئلتي بل ويتطرق إلى المزيد من المعلومات إذا كان سؤالي
يتطلب ذلك. أصبحت أنفذ كل الخطوات العملية للدورة التدريبية بينما واجه زملائي
كثيرا من المشكلات لمتابعة الدورة بسبب عدم الاهتمام.
كنت ألاحظ الجميع في صمت، تدور عيني بينهم ولسان
حالي يقول "آه لو تعلمون أنني أشتاق لكل ثانية أمام هذا الجهاز" كان
جهازي هو صديقي، أتعامل بود مع زملائي ثم أعود إلى صديقي المخلص. كانت أميرة
زميلتي في المنحة تشبه إحدى الممثلات، كانت تعي ذلك وتعلم أنها جميلة وأن الجميع
يلتف حولها لهذا السبب، الجمال، وأيضا ذلك الشبه الذي يربطها بممثلة شهيرة والذي
جعل وجهها مألوفا لدى من يراها. كانت مثل الزهرة التي تلتف حولها الدبابير لتنال
من رحيقها ولكنها كانت تخرج الأشواك إذا تعرضت لأي هجوم لا ترغب فيه.
في أحد الأيام اقتربت ثم قالت:
- صباح الخير، ممكن تعرفني إزاي حركت الصورة اللي
عرضتها على المدرب امبارح
نظرت اليها مندهشا من اقتحامها لخلوتي مع صديقي
العزيز وقلت بابتسامة رقيقة:
- صباح الخير، حاضر هعرفهالك، لكن الجزء ده مش مقرر
علينا في كورس الباوربوينت، ده حاجة إضافية
أجابت بابتسامة:
- آه أنا عارفة بس حبيت أعرفها بس لو هتعبك مفيش
مشكلة
أيقنت تمنعها الجميل المقصود فقلت على الفور لكيلا
أضيع هذه الفرصة من يدي:
- لا أبدا مفيش تعب ولا حاجة، اتفضلي اقعدي عشان أشرحهالك
سحبت أحد الكراسي وجلست بجواري ثم قالت:
- قبل ما تبدأ، أنت اسمك إيه؟
أردت اختبار ردة فعلها:
- معقولة معاكي في الكورس من أسبوع ومتعرفيش اسمي!
ردت ببطء وقد تغيرت ملامحها:
- ذاكرتي ضعيفة، اعذرني
هنا أدركت أنني أسأت الرد فحاولت أن أرد لها
كبريائها الذي نلت منه
- أكيد مش الذاكرة يا أميرة لكن من كثرة المعجبين
اللي حواليكي
وقع كلامي عنها كما أردت وعاد وجهها يتورد بحمرته
المعهودة وقالت:
- أنت واخد بالك مني بقى؟
ابتسمت ثم قلت لها لأقتنص نظرة أخرى كالتي سبقت:
- أنتي شايفاني أعمى لدرجة إني ما ألاحظش كل اللي
بيحصل، أنا صحيح وشي في الجهاز على طول لكن القمر على طول ظاهر للبعيد زي القريب،
لكن من اللحظة دي هقرب قوي.
هنا ظهرت حمرة أخرى على خدودها الوردية ولمعة أخرى
في عينيها، لقد نلت منها فأرادت أن تغير الموضوع فقالت:
- أنت طبيعتك كده، ساكت مبتكلمش حد
أدركت رغبتها في الخروج من المأزق وتغيير الموضوع
- لأ أبدا، أنا بس مركز أوي في الكورس عشان أستفيد
وكمان عشان مليش أصحاب هنا.
صمتت برهة وقالت:
- أنا كمان مليش أصحاب هنا
وهنا أعلنت دهشتي المصطنعة لأسالها عن هؤلاء الذين
التفوا حولها منذ الوهلة الأولى:
- طب إزاي وكل دول حواليكي من أول يوم وشايفك إيزي
معاهم وبتعامليهم كأنكم اصحاب
ظهرت الدهشة عليها وقالت:
- إيزي دي حاجة حلوة ولا وحشة
أردت ألا أزعجها وأضفي على الحديث بعض المرح،
وأنا أعلم أنها جميلة الروح ولا تدرك ما يدور بنفوس الآخرين فقلت وأنا أضحك:
- لا دي حاجة بالسكر
أجابت على الفور وهي تبتسم ببعض الدلال:
- إيه ده أنت بتعرف تقلش وتضحك كمان أهو، وكمان
واخد بالك مني وعامل من بنها
وجدت الطريق ممهدا أمامي لاقتحام عالمها بطريقة
مختلفة عن الآخرين:
- بصراحة أنتي جميلة وواضح إنك جدعة لكن طريقتك
دي هتطمع الناس فيكي، كل واحد هيعملك صورة في خياله ويعاملك على أساسها وأنتي
الخسرانة في النهاية. بس أنا حاسس إنك مأفورة جدا في الكورس ده في التعامل مع ناس
متعرفيهاش
قالت وقد أصابتها الدهشة:
- أنت إزاي عرفت عني كل ده، أنا فعلا مأفورة جدا في
الكورس ده ومكنتش كدة في الجامعة بس مش عارفه ليه
أيقنت أن وراء الابتسامة حزنا عميقا فقلت:
- أنتي بتعملي كده عشان بتدوري على الاهتمام من
كل اللي حواليكي. أنتي حاسة إنك داخلة على مشكلة فبتحاولي تداري قلقك وخوفك واحتياجك
للاهتمام بالأفورة اللي بتعمليها دي
كانت ملامحها تؤكد أنها مقتنعة بما أقوله وقالت:
- طب أعمل إيه يا فيلسوفي؟
راقت لي كلماتها، لقد كسرت الحاجز بيننا وها هي
مستعدة لتلقي النصيحة، لقد أصبت لُب مشكلتها:
- أنتي أكيد فاقدة الاهتمام جوا البيت، عشان كدة
بتدوري عليه بره البيت
ابتسمت وقالت:
- أنت حكيم كمان يا حمزة، أنا فعلا محتاجة ماما
الدكتورة المشغولة دايما عني، فاضية للمؤتمرات بره مصر وللمستشفى وللعيادة
وللمناسبات ومش فاضية ليا، وبابا عنده شركة ومهتم بيها جدا وواخدة كل وقته. أنا
عايشة ومش عايشة
علمت أنها بحاجة إلى قلب يسمعها ويشعر بألمها
فقلت:
- كملي أنا بسمعك
أجابت على الفور بابتسامة:
- ياه من زمان أوي مسمعتش الكلمة دي حتى صحباتي
بعدت عنهم بعد ما الكلية خلصت
أجبت بابتسامة تعني أنني أفهمهما وقلت:
- وعشان كده بتدوري على اي حد يسمعك ومش لاقية
أجابت ببعض التأكيد:
- تمام
فقلت وقد أصبحت مستعدة لسماع كلماتي وتصديقها:
- أنا هسمعك وهنصحك وهاخد بالي منك
شعرت بالفرحة قد اجتاحت قلبها وقسماتها وقالت:
- ماشي يا حكيم
- بس مبعرفش أغني
بنفس الابتسامة ردت:
- مش محتاجة حد يغنيلي أو يغني عليا، أنا محتاجة.
. .
صمتت قليلا ثم أكملت:
- أنا محتاجة حد يسمعني وينصحني وياخد باله مني
فهتفت كالأطفال بعدما فهمت الرسالة:
- أنا، أنا، أنا هسمعك وهنصحك وهاخد بالي منك
ضحكت وقالت:
- بس ممكن ميوافقش يروح معاك
تعجبت من ذلك الرد وقلت:
- مين ده؟
أجابت سريعا:
- بالك اللي هتاخده
وهذا كان أول لقاء بيني وبين أميرة حياتي، بيني
وبين زوجتي أميرة، من ذلك الحين وأنا أسمعها وأنصحها وأعيرها كل انتباهي، بل وأمنحها
كل حياتي، كما منحتني زهرة عمرها وزهرتين رقيقتين هما هنا ومنة. أبتسم الآن بعد أن
أنهيت قصتي وأشرب فنجان القهوة وهي تقرأ كلماتي أثناء كتابتها وتضحك وتضع رأسها
على كتفي.
