التقى الدكتور فريد في معمله الخاص بصديقه الدكتور سليم. قابله بابتسامة ثم قال "هل حضرت للاطمئنان على اختراعي العظيم؟" ابتسم سليم وقال "بل أنا أثق بقدرتك على الابتكار ولكن هل حقا سيتمكن هذا الإنسان من التنفس تحت سطح الماء مثل الأسماك".
ضحك فريد وأجابه مبتسما وهو يشير بيديه علامة على الثقة "بالتأكيد بذلت جهدا كبيرا وسوف ترى بنفسك". توجه فريد إلى أحد الأجهزة الكبيرة داخل غرفة زجاجية وكان هناك إنسان يرقد فوق سرير ومثبت عليه ببعض القيود الحديدية كي لا يستطيع الحركة وكان يبدو أنه فاقد الوعي. أزال فريد تلك الأجهزة التي كانت مثبتة فوق صدره وبعض الأجهزة الأخرى التي تشبه أجهزة المحاليل ثم حقنه بمادة كانت بجوار السرير.
بدأ هذا الشخص يسترد وعيه، فتح عينيه تدريجيا كأنه يتعرض لضوء الشمس بعد نوم عميق. دار حوار بين هذا الشخص وبين فريد فهم منه سليم أنه يُدعى نبيل وأنه على علم بكل ما تم من تجارب وأنه يتعرض لتجربة علمية من الممكن أن تفقده حياته وربما أصبحت طريقه إلى العالمية.
أيقن
سليم بعد دقائق من المناقشات بين فريد ونبيل أن الأخير يحمل درجة علمية وذلك اتضح
من فهمه وإدراكه لطبيعة التغيرات التي أجراها فريد على جهازه التنفسي بل كان سعيدا
للغاية حينما أدرك أن العملية الأخيرة نجحت ويمكنه أن يخضع للاختبار العملي. تساءل
سليم في نفسه
"ما الذي دفع شخصا مثل نبيل على درجة علمية كما استنتج أن يكون محل تجارب علمية خطيرة كان من الممكن أن تودي بحياته أو أن تتسبب له في شقاء طيلة عمره، هل حب المغامرة ودخول التاريخ من أوسع أبوابه وحب الشهرة.
هل حب المال الذي سينعم به إذا نجحت
التجربة أم الملل من الحياة وعدم الرغبة فيها هما ما دفعاه إلى الإقدام على مثل
هذه المغامرة؟". عاد سليم إلى وعيه بعد لحظات الشرود التي فصلته عن الواقع
ولاحظ أن نبيل يتحرك من داخل الغرفة الزجاجية بعد أن ساعده فريد وخرج متوجها إلى
حمام السباحة خارج الفيلا.
توجه فريد إلى سليم قائلا:
" الآن، ترى بنفسك الاختبار العملي لقدرات
نبيل بعد التعديل، سوف يمكث نبيل تحت سطح الماء لمدة خمسة عشر دقيقة وسوف يتدرب
تدريجيا على زيادة المدة لتصل إلى ساعتين، وإذا شعر بأي شيء سوف يخبرني به على
الفور".
سأله
سليم وهم يتحركون بالفعل تجاه حمام السباحة:
"هل
أجريت اختبارات على فترات أقل من الخمسة عشر دقيقة"
ابتسم فريد قائلا:
"بالتأكيد أجريت بعض الاختبارات على فترات أقل
وتدريجيا سوف تزيد هذه المدة حتى لا يتعرض نبيل لأي خطر، يجب ألا تكون هناك أي
نسبة خطأ".
خلع نبيل ملابسه وألقى بنفسه في حمام السباحة تحت
الماء، وكان فريد وسليم يتابعان الموقف ونبيل كان فاتحا فمه بطريقة عادية وهو يبتسم
وكذلك عيناه مفتوحتان ويرى بوضوح ويتنفس بطريقة عادية، ثم فجأة وبعد مرور خمس
دقائق بدأ يمسك رأسه ويشير إلى فريد الذي أشار إليه بالخروج.
خرج نبيل من حمام السباحة وقال لفريد:
"لقد شعرت بألم شديد مفاجئ في مؤخرة
الرأس"
رد عليه فريد وهو يدون الملاحظة:
"حسنا سأرى ما حدث، لا تقلق".
دخل نبيل مرة أخرى إلى الفيلا وخلفه فريد وسليم
الذي سأله وهو يشعر ببعض الحيرة:
" ماذا حدث يا فريد هل شعر نبيل بمثل ها الألم
من قبل"
رد فريد بشيء من عدم الاكتراث قائلا:
"لابد أن ثمة شيئا حدث خارج التوقعات"
عاد نبيل إلى الغرفة الزجاجية التي كان فيها ثم
توجه فريد إلى سليم قائلا:
"من
الصعب أن يجري فصل جزيئات الماء قبل أن تصل إلى الرئتين بنفس السرعة التي يتنفس
بها الإنسان وهذا هو سبب الألم الذي شعر به نبيل، لذلك لابد من تعديل صغير في هذه
الطريقة حتى لا يتكرر الألم الذي يشعر به نبيل"
قال سليم بعد أن جلسا فوق أريكة كانت تستقر أمام
الغرفة الزجاجية:
" لماذا لا يتم التعديل على الرئتين بدلا من
فصل جزيئات الماء قبل أن تصل إليها؟".
تحرك فريد بجذعه إلى الخلف وقال:
"
لقد حاولت محاولات كثيرة ولكنها فشلت، إذا قمت بتعديل الرئة فلن يستطيع نبيل أن
يعيش إلا في الماء"
قال سليم
وهو يبتسم:
"حقا إذا نجح هذا العمل العبقري فلن ترَ
إنسانا يموت من الغرق، لكن أخشى أن يزاحم الإنسان باقي المخلوقات المائية في عالمها
في البحار والأنهار والمحيطات"
رد فريد مبتسما "لا أظن أنه مهما بلغت قدرة الإنسان المعدل على التنفس تحت الماء فلن يستطيع أن ينافس تلك المخلوقات في عالمها.
إن السبب الذي دفعني إلى تلك المحاولات هي أن ينجو الإنسان من الموت غرقا فأنت تعرف الحادثة التي أودت بحياة عائلتي وغرقوا جميعا وتركوني وحيدا مع تجاربي وأبحاثي، وهذا أيضا هو دافع نبيل الذي فقد عائلته عندما غرقوا جميعا في أحد الحفلات التي أقيمت على سطح أحد المراكب العائمة.
تلك المآسي هي ما دفعنا إلى أن وهب حياتنا لمحاولة التعديل هذه ليتمكن الإنسان من التنفس تحت الماء لمدة ساعتين
فقط ليستطيع أن ينجو بنفسه وليس لينافس المخلوقات في عوالمهم الخاصة بهم".
بعد ثلاثة أشهر كان نبيل تحت الماء، نظر سليم في
ساعته وصاح " لقد فعلتها يا فريد، لقد فعلتها، لقد وصل نبيل إلى ساعتين تحت
الماء ولم يشعر بأي ألم، لقد فعلتها، حقا لقد فعلتها".
