القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة


 


دخل أحد المحاضرين ليلقى علينا محاضرة في مادة القانون في السنة النهائية في كلية الحقوق. كان المدرج ممتلئا عن آخره لأننا نتوقع أن يفصح أو يلمح بعض الأساتذة عن ملامح الاختبار النهائي أو حتى كيفيته. كان المدرج يضج بالهمهمات العالية ولكن صمت الجميع عندما دخل الأستاذ

كانت زميلتي مي تمسك بمسجل الصوت وبالطبع كان ذلك قبل ظهور الهاتف المحمول وما به من امكانيات تسجيل الصوت والصورة. كانت مي أيضا تجهز قلمها ودفترها لكتابة ما سيقوله الأستاذ فنحن نعتمد عليها. بالطبع سأوضح لك إلى ماذا تشير نحن هذه التي ذكرتها، نحن شلة ميم كما أطلقنا على أنفسنا، ذلك لأننا تعرفنا على بعضنا البعض في "سكشن" جمع كل من يبدأ اسمه بحرف الميم فهذه مي ومها ومنة ومهاب ومحمد ومحمود ومصطفى، تتكرر الأسماء كثيرا ولكن لا داعي للتكرار فنحن بصدد ما تم في المحاضرة.

صمت الجميع عندما كتب الأستاذ كلمة "القانون" أمامه وظهرت لنا جلية كبيرة من خلال البروجيكتور أو الداتا شو. أمسك الميكروفون وسأل "ماذا تعني هذه الكلمة؟" بدأ الكثيرون يرفعون أيديهم وسمح لهم الأستاذ لكي يسمع منهم الاجابة التي كانت واضحة لنا وتعريفه واضح ونعرفه جميعا. ثم سأل سؤالا آخر وقال "أهنئكم على معرفة تعريف القانون ولكن لماذا شرعت القوانين؟" كانت هناك اجابات كثيرة ولكن الأستاذ أثنى على أحدهم الذي قال إن القوانين قد شرعت لكي تطبق بين الناس فيسود العدل وتتحقق العدالة.

انتقل المدرس إلى نقطة اخرى وكأنه وافق على ما قيل. ألقى علينا سؤالا آخر وقال "من منكم سيعمل بمهنة المحاماة؟" كان السؤال واضحا ومفاجئا وغير متوقع فزادت همهمات الطلاب وقال عدد كبير منهم في صوت واحد "بالتأكيد كلنا يا دكتور". قال الأستاذ "ولماذا كلكم، ألا يريد أحدكم أن يصبح وكيل نيابة أو قاضيا" فقال بعض منهم أيضا "نحن نريد"

أشار الأستاذ إلى أحد الطلاب فقام وقال له الأستاذ "إن مظهرك لا يعجبني، اخرج من محاضرتي"، همهم الطلاب ونظروا لبعضهم البعض وإلى الطالب ولسان حالهم يقول إنه ظلم، هذا ظلم ولكن لم يجرؤ أن يتكلم أحد. امتثل الطالب لأمر الأستاذ وخرج من المحاضرة. ساد الصمت لبرهة ولكن فجأة ودون سابق انذار وجدت لساني يعلنها بصوت عال دون سابق انذار "هذا ظلم، هذا ظلم يا دكتور، كيف تعلمنا القانون وتظلم زميلنا؟". أدركت فداحة ما فعلت عندما نظر إلي كل زملائي وسمعت همهمة مي " إيه اللى عملته ده؟"، بينما غضب الأستاذ وقال بصوت مرتفع من خلال الميكروفون "كيف تجرؤ على ذلك، كيف تتحداني وتتهمني بالظلم؟" انتفضت من داخلي فقد استفزتني كلماته فقلت "كيف سنطبق القانون ونحن نسكت عن الحق؟". لبرهة من الوقت سيطرت صورة رقم صفر التي ستزين لوحة النتيجة أمام اسمي فيها. تصورت خيبة الأمل في أعين أهلي وأنا أزف إليهم خبر الرسوب في تلك المادة التي يدرسها الأستاذ الذي أثرت غضبه لتوي لأنني نطقت بالحق وأعربت عن استيائي من وقوع الظلم على زميلي ودفاعي عن الحق. أفقت على صوت الأستاذ يقول "حيوا زميلكم فهو الوحيد الذي طبق القانون بدفاعه عن الحق، هذا أهم درس يجب أن تتعلموه في كلية الحقوق وهو الحق والدفاع عنه، لا فائدة للقانون إذا لم يطبق، لا فائدة للقانون إن لم تملكوا الشجاعة لنصرة الحق". ضج المدرج بالتصفيق الحاد لبضع ثوان ثم التقط الأستاذ متعلقاته وقال قبل أن يخرج قال "أما بالنسبة لزميلكم الذي ظننتم أنني ظلمته فكان اتفاقا بيني وبينه لتتعلموا الدرس". ارتفع التصفيق مرة أخرى تحية لهذا الرجل ثم انصرف.


 

التنقل السريع