القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة



جلست على أحد المقاهي وطلبت فنجانا من القهوة، اعتدت على ذلك نتيجة عملي الذي أجبرني على التنقل بين الحواري والأزقة، لا تتحير كثيرا فأنا أعمل مندوبا للمبيعات.

 رغم أنني تخطيت الخامسة والثلاثين إلا أنني لا أجد نفسي إلا في هذه المهنة. لا تذهب بتفكيرك بعيدا فلست ممن تراهم في المواصلات العامة ممن تطربك أصواتهم بين "الثلاثة بعشرة يا بيه" أو "آخر واحدة معانا مين قال هات". أنا عملي هو مندوب مبيعات متخصص في المجال الطبي وخاصة في مجال المستلزمات الطبية، بل لو أردت تحديدا أكثر من ذلك فربما تعجبك المهنة، فأنا متخصص في بيع مستلزمات معامل التحاليل الطبية. 

وظيفتي الأساسية هي أمين مخزن في إحدى الشركات الطبية واتخذت من مهنة المندوب حلا في المقام الأول لمساعدتي على تجاوز الضائقة المالية التي لازمتني بعد الزواج وقدوم الغالي حسام إلى الحياة. في البداية، كنت أراها مهنة ثقيلة ومرهقة ولكن بعد فترة أحببتها جدا ورأيتها من زاوية مختلفة، فكل يوم أرى أناسا جددا وأكوّن صداقات جديدة وعلاقات طيبة مع الأطباء وأصحاب الشركات بل أصبحت أحقق أعلى المبيعات في الشركة، وهي نفس الشركة التي أعمل بها كأمين مخزن، حتى ممن هم أصغر مني سنا وأكثر جهدا.

 كنت أجلس بين الحين والآخر لأستريح بعض الوقت وأتناول فنجان القهوة المفضل لي بين زياراتي للعملاء وهكذا تعودت لأريح نفسي فهناك شيء آخر أجبرني أن أفعل هذا وهي الآلام التي أشعر بها في قدمي من طول السير أو صعود وهبوط سلم طويل.

بينما أنا انتظر القهوة إذ بصبي بشوش الوجه يحمل قهوتي وهي تتراقص فوق صينية التقديم واقترب مني ثم قدمها لي مع ابتسامة جميلة. ليست ابتسامته فقط هي الجميلة ولكن رائحة القهوة الرائعة وهي تنتشر وتتخلل رأسي. يقولون إن القهوة لا تشرب إلا رويدا رويدا ولكني لم أستطع أن أفعل ذلك فشربتها سريعا ثم طلبت فنجانا آخر.

تعجب الصبي ولكنه امتثل لطلبي وجاء بالثاني ويديه ترقص بالفنجان وشفتيه تتراقص الابتسامة عليهما. عندما سألته عن سر لذتها، أجابني بابتسامته:

- أبي يحب القهوة وهو من يصنعها وكذلك أنا أحبها جدا

تعجبت من رده وقلت:

- وهل هذا الحب للقهوة هو سر لذتها؟

ففاجأني بما أعرفه وأعمل به وأتخذه منهجا في حياتي

وهل يمكن أن أجيد شيئا إلا إذا أحببته؟


التنقل السريع