القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة



 

انتهينا أنا وصديقي أحمد في ذلك اليوم من العمل وخرجنا سويا نتناقش في بعض أمور العمل وترتيبات الزيارة القادمة لنا مع إحدى الجمعيات الخيرية إلى إحدى دور الأيتام. أبلغني أحمد أنها دار لرعاية الأيتام وكبار السن أيضا، صمتَ قليلا ونحن نعبر الشارع ثم قال "وكأن كلهم أيتام صُغيرين وكبار، اللي اتولد يتيم يحتاج اللي يرعاه واللي اتيتم من أسرته في كبره يحتاج اللي يرعاه وسبحان الله".

شعرت بالمرارة في فمي، مرارة الكلمات التي نطقها أحمد، كان منظورا مختلفا للأيتام الصغار والأيتام الكبار، قد يكون للكبار عائلة وأولاد ولكنهم تخلصوا منهم كما تخلص بعض الآباء والأمهات من أبنائهم وأصبحوا أيتاما. لاحظ أحمد تأثري بكلماته فاعتذر إن كانت كلماته قد ضايقتني أو سببت لي ألما ولكن أبديت احترامي لوجهة نظره معللا أن الحقيقة دائما مرة.

بينما نحن على هذا الحال إذ بأحمد يتوقف فجأة أمام أحد الباعة الجائلين وكان يبيع الذرة. دار هذا الحديث بين أحمد والبائع:

ابتسم أحمد وقال للرجل بعد أن تبادلا التحية:

- عامل إيه يا عم سيد؟

رد الرجل بابتسامة جميلة أظهرت أسنانه الصفراء المتباعدة قليلا ثم لثم باطن يده وظهرها

- الحمد لله يا أستاذ أحمد، كله خير من عند الله

ابتسم أحمد وقال:

- ربنا يرضيك كمان وكمان يا راجل يا طيب، عندك درة طازه؟ حلوة كده زي كلامك الحلو؟

ضحك الرجل ضحكة خفيفة وقال:

- ربنا يسعدك يا بيه، عندي درة تستاهل بقك

أخرج أحمد بعض النقود تتجاوز بكثير ثمن الذرة مهما كان سعرها وقال:

- طب إديني خمس كيزان ذرة وسويهم كويس

ونحن ننتظر عم سيد وهو يشوي الذرة، نظر أحمد إلي وقال:

- متعود كل يومين ثلاثة أعدي على عم سيد آخد كم كوز ذرة في الشتاء ده يدفينا وفي الصيف يا إما ترمس أو تين، حسب اللي يبيعه.

ابتسمت ولم أرد لأنني تفاجأت بكلماته ولكني نسيت لأن أحمد عاجلني بسؤاله عن استعدادي لزيارة دار الأيتام والوقت المناسب فأخبرته بأنني مستعد في أي وقت للقيام بهذا الواجب الانساني. تحدثنا قليلا ثم انتهى عم سيد من شواء الذرة فوضع أحمد في يده النقود التي أعدها لذلك، فرح الرجل وغمرته السعادة.

بعد أن تركنا الرجل بمسافة كافية تذكرت سبب دهشتي من كلماته، ذلك السبب الذي نسيته، قلت لأحمد والدهشة تسيطر على كلماتي التي خرجت متدافعة:

- إنت أصلا مبتاكلش الذرة؟ أنا فاكر إني حاولت أعزم عليك بيها قبل كده لكنك رفضت

ابتسم أحمد وقال وقد أضاءت الابتسامة وجهه:

- أنا عملت كده عشان أفرح الراجل، خد إنت واحد واللي نقابله يبقى من نصيبه وأهو كله يفرح. 

التنقل السريع