التحقت بكلية التجارة رغم ميولي العلمية والتي جعلتني أختار القسم العلمي
في الثانوية العامة ولكن لا أعرف ماذا حدث ووجدت نفسي قد حصلت على مجموع درجات لا
يؤهلني إلا لكلية التجارة. رضيت بالنصيب والقدر كما نصحني أبي وتوكلت على الله
وشققت طريقي في كلية التجارة. كانت الدراسة بها أكثر سهولة بالنسبة لي من الثانوية
العامة وموادها رغم أنى لاحظت أن بعض زملائي عانوا كثيرا من بعض المواد، ولكن أظن
السبب أنني تعودت منذ صغري على المذاكرة المستمرة وقدرتي على الاستيعاب جيدة لحد
ما.
مرت السنوات سريعا ووجدت نفسي في السنة النهائية وبدأ هاجس فرصة العمل
الجيدة يراودني. كنت أفكر ماذا سوف أعمل وكيف سأجد فرصة عمل وسط هذا الحشد الغفير
من الخريجين، هل ستستوعب الشركات والبنوك كل هذه الأعداد من خريجي التجارة. هل مكاتب
المحاسبة تحتاج إلى عدد كبير كهذا من المحاسبين. ظلت الأسئلة تطرح نفسها في عقلي
ولا أجد ردا بل كنت أصاب بألم شديد في رأسي وينتهي ذلك التفكير في غد بكلمة "سيبها
على الله".
في السنة النهائية كان الموضوع يلح علي كثيرا حتى أنني كنت أذهب إلى إحدى
الكافيتريات داخل الجامعة ولكنها بعيدة عن كُليتي لأجلس وحيدا أفكر في كيفية التطوير
من مهاراتي واكتساب مهارات أخرى لأصبح متميزا بشيء عند التقدم للعمل خاصة وأنا لا أملك
"الواسطة" أو المحسوبية وبالطبع لن يستمر أبي في تحمل نفقتي بعد أن خط
شاربي وقويت عضلاتي وأصبحت "شحطا" كما كانت تداعبني أمي.
وسط هذا الشرود والتفكير العميق في ملكوت الله شعرت بيد رقيقة حطت على كتفي
وصوت يغرد بهمهمة رقيقة "احم احم"، التفت سريعا فوجدتها "شروق"
تلك العصفورة أقصد "البنوتة" الرقيقة التي تملأ الدنيا ألحانا حين تغرد.
زميلتي التي أتحاشى رقتها الزائدة، نطقت سريعا وأنا أشير إلى المقعد
- أهلا شروق، تفضلي
استمرت ابتسامتها تُزين وجهها وجلست على المقعد المقابل أمام المنضدة فسألتها
- تشربي إيه؟
اعتذرت برقة ثم بررت تواجدها، دون أن أسالها، بالطبع بأنها كانت تشتري بعض
الأشياء مع صديقتها ثم دخلت من باب الجامعة الموجود في آخر الجامعة. علمت بفراستي
بالطبع أنها تشعر بالحرج لأنها تطفلت علي في خلوتي، ولكنها لا تعلم كم كنت أتمنى أن
أفوز ببضع ثوان معها بعيدا عن صديقاتها ولكن منعني الخجل الذي حاولت مرارا وتكرارا
التغلب عليه من طلب هذا الأمر منها.
فاجأتني بسؤال أزال عقدة لساني وقالت:
- لقيتك قاعد لواحدك وكل الكافيتريا "كوبلز"، بتعمل إيه يا شقي؟
مستني النص التاني؟؟
انتهزت الفرصة التي سنحت الي:
- لأ، نُصي التاني اللي بتمناه متوقعتش إنه يفاجئني بدون موعد ويسعد قلبي
برؤيته.
ظهرت ألوان الطيف جميعها أمامي وعلى وجهي أيضا من جرأة ما قلت ولكني تداركت
الموقف قبل أن تطير عصفورتي من شدة الخجل
- في الحقيقة أنا بفكر إزاي لما أتخرج بعد كام شهر هلاقي شغل إيه وإزاي؟
كلها كام شهر وهشيل هم مسؤولية نفسي على الأقل وبعدها بشوية هشيل مسؤولية حلم كان
جوايا ومش قادر أحلمه حتى في اليقظة عشان هم الشغل.
ابتسمت لأنها أدركت ما أعني وقالت:
- جميل إنك تفكر في بكره، وده معناه إنه يُعتمد عليك
راق لي كلامها ورأيها بي
- إيه الكلام الجامد ده؟
أضافت وهي تطير في جلستها وتطير كلماتها لتخترق عقلي كما اخترقت نظراتها
قلبي:
- آه، بس مش تفكر بس، لازم تحاول تلاقي حلول، فكر بره الصندوق
- إزاي إحنا خريجي تجارة بالآلاف؟
ما زالت ابتسامتها تزين قسماتها وقالت:
- اشتغل أي حاجة تقابلك وخد كورسات وغير مسارك، كورسات كمبيوتر مثلا،
كورسات لغات ودور على شغل في شركات، كمل في دراسة المحاسبة وخد شهادات دولية، خد
دبلومة تربوية واشتغل مدرس.
أدهشتني كلماتها
- إيه ده، أنتي فكرتي في الموضوع ده قبل كده
- أكيد يعني، بس الأهم إننا نفكر في الامتحان وبعد كده نفكر إيه المناسب
لينا عشان نتخصص فيه، متقلقش هنفكر سوا، المهم الامتحان
- تخيلي أول مرة مقلقش فعلا من الموضوع ده، يمكن عشان هنفكر فيه سوى بعد
كده على طول
- احم احم وبعدين، يلا المحاضرة هتفوتنا وبطل تبص لي كده
وقفت ونظرت إليها وقلت فجأة:
جميل أوي إن الواحد يلاقي حد يشبهه والأجمل يكون شبهه وبيكمله.
