القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة


العجوز والهاتف 

لاحظت أن وسام ابنتي التي لا تتجاوز العامين تمسك هاتفي وهي صامتة دون أن تلعب به أو على الأقل تُشير لي كي أفتحه لها كالعادة. شعرت بالدهشة مما تفعل حيث كانت واقفة تمسك بالهاتف وهي حزينة وتنظر إلي. اقتربت منها وعرفت السبب وكان غير ما توقعت، كان الهاتف صامتا تماما، ضغطت زر الفتح والغلق فلم يستجب.

 الآن عرفت سبب حزنها، لقد أفسدته. نظرت اليها نظرة عتاب ولو أنني أشك أنها تفهم ذلك وبحثت عن زوجتي وأخبرتها عما فعلته ابنتنا العزيزة فغضبت وقالت "هذا نتيجة تدليلك لابنتك"، ابتسمت رغم المشكلة وقلت لها "الآن تطلقين عليها ابنتي أنا وعندما تفعل الشيء الصواب أو المميز تصبح ابنتك وحبيبتك". بادلتني الابتسامة وقالت "بالضبط هو كذلك".

 لا أعرف لماذا أخذت الموضوع ببساطة هكذا ربما لأنني كنت هادئ المزاج في ذلك التوقيت وهكذا نحن البشر تختلف ردود أفعالنا باختلاف الحالة المزاجية. أخذت الهاتف وذهبت إلى محل أحد الجيران المتخصصين في اصلاح الهواتف. أمسك الهاتف وسألني عن السبب فحكيت له الموقف فقال "إن شاء الله شيء بسيط". فحص الهاتف بأدواته وشعرت للحظة أنه طبيب ماهر وهاتفي هو مريض بين يديه.

بعد دقائق أخبرني أن العطل بسيط والحمد لله. بينما أجلس معه وهو يصلح العطل دخل رجل كبير السن وأعطى الهاتف بلا مقدمات إلى جاري العزيز وقال له "من فضلك، افحص هذا الهاتف، هل هو يعمل بشكل جيد أم به عطل". نظر إلي جاري ثم نظر إلى الهاتف وتظاهر أنه يفحصه ثم أعاده إلى الرجل وقال له "إن الهاتف يعمل وبحالة جيدة".

 رد الرجل وعيناه تلمعان بالدموع "إذن لماذا لا يتصل بي أبنائي؟، أرجو أن تفحصه مرة أخرى يا بني". تناوله الرجل مرة أخرى وتظاهر بفحصه شفقة على حالته وحتى لا يغضبه ولكي "يجبر بخاطره" وطلب منه أن ينتظر حتى يتفحصه بعناية. جلس الرجل صامتا وهو يحاول أن يهدأ ثم مال علي جاري وقال هامسا "هذا الرجل يأتي كل يومين أو ثلاثة ويعطيني نفس الهاتف لكي أصلحه. إن الهاتف يعمل ولكن قلوب أبنائه هي ما توقفت عن العمل، إن الرجل لا يصدق أن أولاده يتجاهلونه وكأنه غير موجود في الدنيا، إنه ينتظر فقط مكالمة منهم للاطمئنان عليه". 

شعرت بالحزن لحالته وتحول حزني إلى خوف أن ألقى نفس مصيره، تصورت نفسي مثله أنتظر بجانب الهاتف متلهفا لمكالمة من أبنائي وهم لا يعيرونني أي اهتمام. خرج الرجل متجها إلى بيته بعد أن أكد له جاري أن الهاتف يعمل بشكل جيد ولا يوجد به أي عطل. خرجت خلف الرجل بعد أن عاد هاتفي إلى الحياة من جديد وطلبت منه أن يعطيني الهاتف لكي أفحصه فربما يوجد به عطل غير ظاهر، عرض علي الرجل أن أصحبه إلى بيته فهو يشعر أن قدميه لا تستطيعان حمله وهناك يمكن أن أفحص الهاتف بعناية فوافقت على الفور وأنا أرسم الابتسامة على وجهي.

 ذهبنا إلى بيته فاستأذنته أن أحصل على أرقام هواتف أولاده فوافق دون أن يسألني عن السبب وأخبرني بأسمائهم ثم دخل إلى إحدى الغرف. استطعت أن أحصل على أرقام هواتفهم وسجلتها على هاتفي. خرج الرجل من الغرفة ثم دعاني لأساعده في عمل كوبين من الشاي، وافقت بكل سعادة وأعطيته هاتفي وطلبت منه أن يسجل رسائل إلى أولاده وسوف أرسلها لهم عبر الانترنت، وافق الرجل بسعادة بالغة، أعددت الشاي ثم خرجنا إلى غرفة الصالة وجلس بهدوء، ضغطت له زر التسجيل وبدأ في تسجيل رسالة إلى أبنائه الثلاثة يطالبهم فيها أن يسألوا عليه ثم أعطاني الهاتف بعد أن انتهى من حديثه ولكن الهاتف مازال يسجل فسألته "لماذا تعتقد أن هاتفك به عطل وتذهب به إلى جارنا لكي يصلحه رغم أنه أكد لك أنه يعمل بشكل جيد أكثر من مرة؟" فقال بعد أن ترك كوب الشاي واغرورقت عيناه بالدموع "لأنه ليس من المعقول أن أولادي الذين ضحيت بعمري لأجلهم، لأجل أن يدخلوا أفضل المدارس وضحيت براحتي بعد وفاة والدتهم فلم أتزوج مرة أخرى، ضحيت بكل ما أملك، ضحيت حتى بمكافأة نهاية عملي لأحضر لهم شققا يعيشون فيها مع أبنائهم وسيارات يركبونها، ضحيت ليصبحوا الطبيبة والمهندس والضابط.

 ليس من المعقول أن أضحي بكل هذا ويتركوني وحيدا بين الجدران ولا يسألون عني حتى بمكالمة هاتفية، هل "هُنت" عليهم لهذه الدرجة، هل تملّكت القسوة من قلوبهم لهذه الدرجة؟" لحظات صمت مرت حاول فيه الرجل أن يتماسك بعد أن غلبته الدموع وبدأ يبكي كالأطفال ثم أضاف "يا بُني أنا أشحذ المساعدة من الناس في الشارع لأستطيع أن اشتري الخبز والطعام" صمت قليلا ثم أشار إلى الهاتف وهو لا يعلم أنه ما زال يسجل وقال "سجل ما سأقول وأرسله لهم: أريد حقي، أعيدوا لي الحب والحنان الذي أفنيت عمري أعطيه لكم، ردوا لي حقي، كنت أسقيكم حبي وحناني وعطفي والآن أنا أريد ما أعطيته لكم، لا أريد زيادة ". 

مرت لحظات أخرى وقال الرجل وقد غلبه الحزن والأسى "الاهتمام لا يُطلب يا بُني، يبدو أن العطب ليس في الجماد ولكنه في قلوب البشر التي أصبحت كالحجارة بل أشد قسوة". سجلت له كل حديثه وأرسلته إلى أرقام أولاده بعد أن تركته عسى أن يستيقظوا من سباتهم العميق، عسى أن ترق قلوبهم. بعد أن أرسلت الرسالة سألت نفسي "وهل تفعل الرسالة ما لم تفعله الأيام؟ ألم يشتاقوا إلى أبيهم؟ هل لديهم قلوب لكي ترق؟ هل لديهم ضمير ليستيقظ؟" لقد أيقظت حالته بداخلي خوفا كبيرا من أن أصبح مثله في يوم من الأيام، كنت أحتضن ابنتي الصغيرة وأطلب منها ألا تتركني عندما تكبر. حرصت على زيارة هذا المسكين يوما بعد يوم وكنت أحيانا أذهب معه إلى محل جاري ليفحص هاتفه رافضا فكرة أن العطب في قلوب أولاده وليس في الهاتف. 
التنقل السريع