حاجات مش لينا
انتهيت من نوبة عملي
الثانية وكان بصحبتي صديقي وليد، بدون مقدمات وبشكل مفاجئ ارتفع صوت الكاسيت في
سيارة نقل الركاب "الميكروباص" التي ركبناها معا في طريق العودة إلى
المنزل. فبالإضافة إلى أنه
زميل عمل فهو جاري في نفس منطقة السكن. تصاعد
الصوت تدريجيا وأغنية عمرو دياب "أنت مغرور" ارتفعت وفجأة أيضا وبدون
مقدمات صرخ صديقي وليد قائلا "لا حرام كل الأغاني هجر وعذاب وفراق، من حقي ألاقي أغاني تعبر عني، أنا عندي خمسة وتلاتين سنة، عايش في
عذاب الأقساط والعيال والأدوية" تعالت الضحكات في السيارة فرد أحد الركاب
"عندك حق، أنا محدش بيقولي أنت مغرور، أنت
معدوم الشعور، أنا بسمع بس " أنت مخصوم لك
يومين، أنت يا بابا رايح فين". تزايدت الضحكات بعد كلمات هذا الأخير.
قمت بتهدئة صديقي
فصمت قليلا ولكن باقي الركاب انطلقوا يتسابقون في التعبير عن افتقادهم لمن يعبر
عنهم في الأغاني والمسلسلات وحتى الأفلام. سمعت أحدهم يهمس لصديقه "فعلا،
عايزين حد يتكلم عن الحب بعد الزواج، بعد الأطفال متشرف وشكله بيبقى إزاي، هو مفيش حد بيحب إلا المراهقين، مفيش حب إلا تحت العشرين،
عايزين حب المتزوجين". انطلق صديقي قائلا" فاكرين أغنية نادية مصطفى
"جاي في إيه وسافرت في إيه" كسرت الدنيا عشان كانت بتمثل شريحة كبيرة
مفتقدة الأغنية اللي بتعبر عنها". سادت بعض الهمهمات لفترة قصيرة.
قال أحدهم
"عندك حق إحنا قابلنا اللي ارتبطنا بيه، لازم يغنولنا عن لذة إنك تكون مع زوجتك حبيبتك تحت سقف واحد
وتتحملك وتتحملها، عن بنت الأصول، عايزين مسلسلات عن الزوج الرحيم بزوجته والزوجة
المخلصة اللي شايلة زوجها على الحلوة والمرة، عن
عطف الآباء على الأبناء ورحمة الأبناء بالآباء، عن مشكلات المراهقة وإزاي يواجهها
"
نظر لي صديقي بعد أن
استمع معي إلى باقي الركاب وقال لي "شايف، كله بيعاني إن مفيش أغنية بتعبر
عنه، مفيش دراما بتعبر عنه، مفيش حاجة بتعبر عن الأب اللي بيشتغل ورديتين أو في
مكانين عشان يكفي أولاده وبيته، عن الأم المظلومة، المعدومة، اللي بتضحي بأعصابها وشبابها وأنوثتها
عشان تربي أولادها". قال لي تلك الكلمات ثم
نظر أمامه وصمت. خيم الصمت على الركاب حتى وصلنا كل إلى مبتغاه.
