القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

اتجاه اجباري - الفصل السادس عشر

  

- 16 -

 

ليس كل ما نعرفه حقيقة فأحيانا يجتاحها البهتان 

ويؤخرها الكذب ولكن لا يمكن إخفاؤها



 

عاد أحمد إلى الواقع في الشقة المؤمنة، قال حسام وهو يتحرك حوله:

- لقد ذكرت لك أن العملية وهمية ولا توجد عملية آثار وأن ما ذكرته للعصابة فقط لإيقاعهم والوصول للتشكيل كاملا. كذلك، أننا اتفقنا مع رجلي الأعمال أبو العز التوني وكمال عبد الرشيد على تحويل الأموال والحقيقة أنهم بالفعل متورطون في عملية آثار فعلية وكل التفاصيل التي ذكرتها لك وأنت بدورك نقلتها للعصابة هي تفاصيل حقيقية والشيء الوحيد غير الحقيقي في العملية كلها هو أنت يا أحمد، أنت الشخصية الوحيدة غير الحقيقية في العملية كلها.

أصابت أحمد الحيرة والدهشة والمفاجأة أيضا وقال:

- عقلي يعجز عن فهم واستيعاب ما تقول، هل تعني أن عملية الآثار حقيقية؟ وأن هناك مقبرة؟ وهناك اتفاق تم بين أحدهم وبين رجلي الأعمال لدفع ثلاثين مليون جنيه لأصحاب المقبرة و يتم نقل الآثار وبيعها للمشتري الأجنبي مقابل سبعين. . . . . . .

قاطعه حسام ليخفف عنه الدهشة وقال:

- هو كذلك، جميع ما تم ذكره لك هو حقيقي وموجود، ماعدا شخصية موظف الآثار لأن هذا الشخص الذي تحمل أنت اسمه قد قُتل بالفعل في عملية أخرى وكان يسجل جميع بيانات هذه العملية على هاتفه ووجدنا ملفات صوتية وصورا ضوئية تشرح جميع العمليات التي توسط فيها ومنها هذه العملية وكأنه كان يخشى أن يُقتل ويدُفن سره معه.

أمسك أحمد رأسه وكأنه شعر بألم مفاجئ وقال:

- أشعر برأسي تكاد تنفجر. إذن لماذا أخبرتم العصابة بعملية الآثار وقد كان من الممكن أن يتم الهجوم على العصابة في الفيلا فقد عرفتم الرئيس وكذلك كان من الممكن الهجوم على رجلي الأعمال وهم يستلمون المقبرة ويسلمون النقود.

عقد حسام حاجبيه، جلس على أريكة ووضع قدما فوق الأخرى وبدت علامات الشراسة تغزو وجهه وقال:

- الموضوع أكبر من ذلك وأخطر وبالتأكيد شعرت بذلك عند انتقالنا من مديرية الأمن إلى هنا.

أومأ أحمد برأسه موافقا وقال:

- شعرت بذلك الخطر ولكني لا أفهم.

بدأ القلق يساور أحمد حول طبيعة العملية وأدرك حسام ذلك فقال:

- الموضوع خطير جدا،

عدل من جلسته وصمت برهة ثم قال:

- عملية الآثار تورطت فيها أسماء كبيرة جدا، مسؤولون فاسدون بداخل جهات سيادية بالدولة وتسرب أي معلومات عن العملية لأي قيادة عُليا كان يفسدها. وكان لابد من وضع خطة متشابكة تظهر فيها عصابة أخرى لتخرج العملية كأنها عملية اعتداء ومداهمة لعصابة أبو العز من العصابة الأخرى التي اخترناها، وذلك أثناء استيلائها على الأموال عند نقلها من فيلا أبو العز وسيتيح لنا ذلك التحقيق في عملية سحب الرصيد من البنوك وعلاقة رجلي الأعمال بعملية السرقة، على الجانب الآخر سيتم مداهمة أصحاب المقبرة في الصعيد وهذا من اختصاص شرطة الآثار.

ظهرت علامات الدهشة على وجه أحمد وقال:

- لهذه الدرجة يمتد نفوذ هؤلاء الأوغاد؟!

راق لحسام أن يرى الدهشة على وجه أحمد فمعنى تلك الدهشة أنه صدق كل كلمة قالها، ابتسم حسام وقال:

- مازالت خبرتك بالحياة صغيرة يا أحمد.

أومأ برأسه ايجابا وقال:

- هذا واضح ولكن لماذا أخفيت عني أن التفاصيل التي أبلغتها للعصابة صحيحة؟

أشار حسام بإصبعه السبابة إلى أحمد وقال وملامحه اكتسبت صرامة مرة أخرى وقال:

- هذا لحمايتك، كنت أخشى أن تنكشف. حياتك تتعرض للخطر أكثر كلما عرفت أكثر وهذه قاعدة مسلم بها في عملنا.

تمتم أحمد "نفس الجملة التي قلتها لندى"

أكمل حسام حديثه بعد أن أشعل سيجارة ولم يلاحظ همهمة أحمد وقال:

- نأتي لنقطة هامة جدا يجب أن تفهمها جيدا.

زاد أحمد من اهتمامه لما يقوله حسام وقال سريعا:

- خيرا؟

اقترب حسام من أحمد وربت على كتفيه وقال:

- ما كنت لأشرح لك كل شيء الآن إلا لأنني اطمأننت أن العملية قد نجحت وتم القبض على الرئيس وعلى التشكيل الإجرامي أثناء مداهمة فيلا أبو العز كما كان مخططا من قبل. الآن أنت في أمان وعليك أن تنسى كل شيء أخبرتك به.

ظهر الارتياح على وجه أحمد وقال:

- حمدا لله، حسنا، ماذا سأفعل الآن؟

جلس حسام مرة أخرى وقال:

- كما أخبرتك، فنحن مُختَرقين، لذلك فقد وضعنا بطاقتك التي استعملتها في العملية داخل ملابس الشخص الذي قُتل حين أرسلوه مع شخص آخر لقتلك في الفندق وبذلك انتهى وجودك في الحياة بالنسبة لهم ولا أحد يعرف شخصيتك الحقيقية غيري أنا وهشام ورئيسي المباشر فقط.

ظهرت علامات الدهشة على وجه أحمد وقال:

- حتى رؤساؤك لا يعرفون من أنا؟

حاول حسام السيطرة على كلماته في هذه اللحظة الحاسمة في علاقة أحمد بالعملية وقال:

- لن يفيد ذلك في شيء، فعلى العكس إذا وقع ملف العملية في يد أحدهم الذي ربما كان خائنا، فمن المحتمل أن تكون حياتك في خطر. إن لم أفعل ذلك سأحمل ذنبك في رقبتي ليوم الدين إذا حدث لك مكروه فكفى ما حدث لك وعمرك الذي ضاع.

كانت كلمات حسام واضحة، قالها بثقة فاقتنع بها أحمد دون مناقشة فقال:

- منذ البداية وأنا أثق بكل كلمة تقولها وأعلم أنك تهتم بمصلحتي وحياتي هامة بالنسبة لك.

وضع حسام يده أسفل الأريكة وأخرج حقيبة سوداء وأعطاها لأحمد وقال:

- هذه الحقيبة بها النسبة المستحقة من الحقيبة التي أنقذتها ومكافأة أخرى من المديرية لتعاونك، فقد كان كل شيء مرتب له، حتى النسبة المستحقة لك مع مكافأة من المديرية تم إعدادهما مسبقا.

شعر أحمد بالسعادة عندما فتح الحقيبة وشاهد النقود المرصوصة جنبا إلى جنب وكانت تملأ الحقيبة، يبدو أن مشهد النقود طغى على ارتيابه من عدم مقابلة أي مسؤول آخر وعدم المكوث بالمديرية لنهاية العملية. قال أحمد:

- لا أستطيع أن أوفيك حقك لهذه الفرصة التي منحتني إياها لتعويض ما خسرته، أشكرك سيادة المقدم.

ابتسم حسام وقد أدرك أن للنقود مفعول السحر وها هو يراها، من وجهة نظره، قد أزالت كل شك بالنسبة لأحمد وجعلته سعيدا لا يرى غير المعروف الذي أسداه له. قال حسام وهو يبتسم:

- نصيحتي لك أن تخرج من هنا إلى قريتك، ومن حسن حظك أن جميع أفراد التشكيل الإجرامي الذين قابلتهم وحتى من لم تقابلهم قد قُتلوا أثناء الاشتباكات.

ابتسم أحمد وقد راق له حرصهم على تلك التفاصيل الدقيقة في عملهم وقال:

- يعجبني هذا، أنتم تختلفون تماما عن الشرطة التي تصورها الأفلام والمسلسلات، دائما يكون فيها المجرم هو الأذكى ويقع فقط نتيجة غروره أو الوشاية به أو خطأ يرتكبه، حتى إذا كان الضابط ذكيا ونشيطا ومخلصا فإن الروتين يكون عائقا أمامه، بل يكون رئيسه أو بعض رؤسائه متورطين في الفساد فيقومون بحماية المجرم.

شرد حسام قليلا ولكنه عاد سريعا وقال:

- صدقت، أحيانا يبالغون في السينما، وأحيانا أخرى يعبرون عن واقع اليوم.

مرت الجملة على مسامع أحمد ولم يُلق لها بالا بينما كان حسام يعني بها الكثير. اقترب أحمد من حسام الذي ربت على كتفيه وقال:

- الآن يا بطل، من هنا إلى قريتك وأؤكد لك مرة أخرى أن المديرية مخترقة وإذا تسرب أي خبر أنك كنت تلعب دور موظف الآثار في العملية فسوف تعرض حياتك للخطر، هؤلاء الناس لا يعرفون لغة غير لغة الدم.

قال أحمد وهو يحاول أن يقنع نفسه قبل حسام:

بالتأكيد يا سيادة المقدم لن أعرض حياتي للخطر، ثم لماذا أفعل ذلك إذا كنت قد حققت لي مكسبا لم أكن أحلم به، فالعاقل من ابتعد عن الخطر في الوقت المناسب وهذا أفضل وقت لأحيا حياة هادئة وأعوض ما فات من عمري وكفى ما قضيته من السير في اتجاه إجباري. 

التنقل السريع