28
العنف يبدأ عندما يغيب الكلام
واليأس يظهر عندما يختفي الاهتمام
- لقد حضرت ندوتك عن التنمر وفهمت أن الطفل
المتنمر أيضا يُعد حالة مرضية ويجب علاجها.
قال عصام باهتمام
- بالتأكيد، فإن سلوك التنمر ناتج عن تعرض
الطفل المتنمر إلى مؤثرات خارجية
استكملت السيدة حديثها
ابني حازم في الصف الأول الإعدادي،
يعود من المدرسة كل يوم تقريبا وقد تشاجر مع أحد زملائه في المدرسة دون سبب، ابني
هو الطرف المتنمر، عنيف في حركاته ومشاكساته مع الآخرين. حاولت أن أتعامل معه لحل
مشكلته بكل ما أوتيت من وسائل ولكن لا فائدة. حاولت كثيرا معرفة سبب هذا السلوك
العدواني ولكن لم أصل لشيء
رد عليها عصام
-أخبريني عن يومه، كيف يقضيه، سواء اليوم
الدراسي أو يوم الإجازة، وكذلك حال الأسرة؟
- أن زوجي مسافر لدولة خليجية للعمل وأنا
أقوم بدور الأب والأم معا. أما عن كيفية قضاء يومه، ففي اليوم الدراسي يستيقظ في
معاده ويذهب للمدرسة ثم يعود يستريح قليلا ويعمل واجبه المدرسي ثم يأخذ وقت للراحة
يقضيها في اللعب على البلاي ستيشن أو الكمبيوتر أو الهاتف المحمول ثم يستأنف
المذاكرة حتى معاد نومه. أما يوم الإجازة فتقريبا يقضي نصفه في اللعب ومشاهدة
الأفلام والنصف الآخر في المذاكرة، وأحيانا يكون يوما للعب ومشاهدة الأفلام ويوم
آخر للمذاكرة.
- ما نوعية هذه الأفلام والألعاب؟
- الأفلام كلها من نوع الأكشن الأمريكي،
صراعات وقتل وكذلك الألعاب
- إذن هذه الأفلام والألعاب لها دور كبير في
التأثير على سلوكه، ماذا تنتظرين من طفل يشاهد العنف في الأفلام التي يتابعها
ويطبقه في الألعاب التي من المفروض أنه يتسلى بها.
اعتدل عصام في جلسته ثم أضاف
- كيف تعامليه بعد كل مشكلة؟ وبشكل عام ما
مدى العلاقة بينكما، هل يغلب عليها العصبية مثلا؟
- وماذا تظنني أفعل بعد كل ما يسببه من
مشكلات؟ بالتأكيد لا يجد مني غير التوبيخ واللوم وكثيرا الضرب ويسبب لنا كثيرا من
المشكلات وبسببها تتسم علاقتي به بالعصبية. أشعر أنه طفل غير طبيعي.
- اعذريني سيدتي، المشكلة عندك أنت أولا
أصابتها الدهشة وقالت
- أنا؟
رد عليها عصام بابتسامة
- نعم، ارجوا ألا تغضبي، نحن نحاول سويا أن
نصل لحل لهذه المشكلة.
استمرت السيدة على حالة الصمت وقد
ألجمتها الدهشة التي أصابتها، بينما استمر عصام في حديثه
- سنحاول التفكير سويا بطريقة منطقية، طفل
يشاهد أفلام العنف، مليئة بالقتل والعنف والدماء ويلعب نفس الألعاب ويطبق ما شاهده
في الأفلام في هذه الألعاب، ثم يذهب إلى المدرسة فيجد أرضا خصبة من عدم المتابعة
من المشرفين ليتنمر على زملائه من الأطفال. يعود إلى البيت فلا يجد منك رعاية إلا
أثناء المذاكرة وتتركيه يشاهد ما يشاء ويلعب ما يشاء دون متابعة أو توجيه. هذا
الطفل مجني عليه وليس جانيا.
- حسنا لقد اقتنعت أنني مخطئة ولكن ما الحل؟
- ما يناسب ابنك من علاج هو أن تشغلي له كل
وقته، أقصد بوقت الراحة. اشغلى له وقته بالأنشطة الرياضية، ما يناسبه في هذه
الحالة هي الرياضات العنيفة كألعاب الكاراتيه، الكونغ فو، التايكوندو، يناسبه أيضا
ألعاب القوى. اشتركي له في الأنشطة المدرسية، أنشطة الكشافة في مراكز الشباب
والأندية؛ اصطحبيه معك في رحلات كثيرة؛ اجعليه يشعر منك بالاهتمام والرعاية مع
احتوائه دون تدليل زائد. حاولي سؤاله عن الألعاب الرياضية التي يريد أن يلعبها، أي
لعبة جماعية ستؤثر فيه وتغير من سلوكه إلى الأفضل وان كنت أفضل ألعاب القوى لإخراج
كل طاقته فيها دون عنف.
- لم أكن أتصور أن تكون مشكلة ابني هي أنا،
لم أكن أتصور أن عدم متابعتي لما يلعب ويشاهد يمكن أن يكون السبب في تحوله إلى طفل
عدواني السلوك.
- لا تكوني قاسية مع نفسك، فقسوة الحياة
كافية. حاولي فقط معالجة المشكلة وسوف يكون حلها سهلا بإذن الله
أكملت السيدة وكأنها لم تسمع عصام
- أنا لا أصدق ما أسمع، لقد شغلتني مشكلات
الحياة ورعايتهم جميعا في مأكلهم ومشربهم ومسئوليتهم. ذهب والدهم إلى العمل في
الخارج وتركني وحيدة أتحمل مسئوليتهم. لم انتبه إلى هذه النقطة، انشغالي عنه أدى
إلى مشكلة
- الحمد لله أنك فطنتي إلى المشكلة قبل أن
تتفاقم، ما زال صغيرا ويمكن علاج مشكلاته بسهولة.
- أشكرك على وقتك وتوجيهاتك
- لا شكر على واجب، أنا موجود لأي مساعدة
ويمكن أن أتكلم معه، ولكني أفضل أن تحدثيه أنت أولا وتحاولين معه لأنك الأقرب
إليه.
شكرته السيدة مرة أخرى وانصرفت وهي
حزينة لا تصدق أنها أحد أسباب مشكلة ابنها أو هي السبب الرئيسي في مشكلته بعدم
متابعتها له وبعدها عنه.
طرقت السكرتيرة ( وهي فتاة تعمل لدى
الهمشري وفي نفس الوقت تعمل كسكرتيرة في المركز الاجتماعي ) باب مكتب عصام ودخلت
بعد أن اذن لها.
قدمت له كوب من الشاي تطوعا وقالت
- أنا السكرتيرة الجديدة، وقد أعدت لك كوب
شاي، أشفق عليك من هذه المشكلات التي تحاول حلها يوميا، كثرة سماع المشكلات يصيب
الإنسان بالاكتئاب.
قال لها عصام
- لم أكن أعلم أن السيد حاتم لديه ذوق مرتفع
هكذا في اختيار من يعملون معه
- شكرا أستاذ عصام
- وشكرا لك على كوب الشاي، لقد جاء في وقته،
كما أشكرك على شعورك الرقيق، بالفعل كثرة سماع المشكلات يضفي حالة من الحزن على
الشخص، هل كان علم النفس مجال دراستك أم مجرد ثقافة عامة
- لقد درسته في المرحلة الثانوية، وأحببته
كعلم فقرأت كتبا كثيرة عنه، ولكني تخرجت من كلية الآداب قسم الاجتماع، ثم أخبرته
عن وجود رجل يُدعى الحاج مصطفى في حالة حزن شديد ينتظر السماح له بالدخول، طلب
منها عصام أن تسمح له ليدخل على الفور. دخل الرجل فإذا به الحاج مصطفى صاحب ماركت
المصطفى.
كان الرجل في حالة يُرثى لها من
الحزن الشديد، فهرع إليه عصام وأحسن استقباله ومصافحته وقد شعر عصام بالدهشة وقال
له
- مرحبا يا حاج مصطفى، هل هناك مشكلة ما
جعلتك تأتي هنا بدلا من انتظار عودتي للمنزل أو تحدثني عن طريق الهاتف
- أن الأمر هام يا بُني، أن ابنتي هناء أصيبت
بانهيار عصبي أمس وسقطت أرضا بعد أن أصيبت بحالة إغماء، ونصحني الطبيب بان أتابع
حالتها مع طبيب نفسي ولا أعرف غيرك يفيدني في هذا الموضوع.
حاول عصام تهدئته ثم قال له
- حسنا، أخبرني ما الأمر بالتفصيل وما دفعها
إلى هذه الحالة؟
- عندي أربعة أبناء، ثلاثة بنات وولد وحيد،
ابنتي هناء متفوقة في دراستها في الصف الأول الإعدادي ولا أعرف سبب انهيارها، ما
أعرفه أنها كانت تتحدث مع أخيها وقد أخذ منها شيئا فظلت تصرخ كثيرا ثم انهارت، هذا
ما قالته والدتها
- حسنا، هل يمكن أن أراها وأتحدث معها
على الرحب والسعة، تفضل معي الآن إن
كان وقتك يسمح بذلك.
ترك عصام المركز وانطلق مع الحاج
مصطفى متوجها إلى منزله، أثناء الطريق سأله عن بعض المعلومات عن ابنته مثل الطعام
المحبب لها، المسلسلات التي تحب متابعتها، المادة الدراسية المحببة إليها، المعلم
أو المعلمة المقربة إليها، الهواية التي تحبها وهكذا. دخل عصام شقته فوجد أثاثها
من النوع المتوسط وشعر بحالة حزن تخيم على جميع أفراد الأسرة، تعرف على الأسرة
كلها وطلب أن يجلس منفردا مع هناء ليسمع منها وكذلك أن يجلس للحديث مع أخيها
ليتحدث معه.
قامت الأم بتقديم كوب من العصير إلى
عصام وقد لاحظ الحزن الذي تحمله بداخلها فطمأنها وأخبرها أن كل شيء سيكون على ما
يُرام. قام الرجل بمساعدة ابنته واصطحبها إلى غرفة الاستقبال(الصالون) وقد استردت
صحتها قليلا، كان عصام ينتظر في الصالون. ظل الرجل ينتظر قليلا وقال لابنته جارنا
الأستاذ عصام يريد التحدث معك أشارت الفتاة برأسها موافقة ويبدو أن والدها كان قد
حدثها عن الأمر قبل أن تحضر إلى الصالون.
قام عصام ببعض محاولات التودد إلى
هناء وسؤالها عن دراستها وعن حبه لمادة الدراسات الاجتماعية، ثم حدثها عن أحد
المسلسلات التلفزيونية التي تتابعها وكيف أن هناك مفاجأة في نهاية المسلسل لن
تتوقعها. بدأت الفتاة تستجيب لحديثه، وحدثها أيضا عن فيلم جديد للمثل (--) الذي
تحبه وتتابع أخباره وكذلك أحدث الأغاني للمطرب (--) التي تفضل الاستماع له. بالطبع
كان عصام قد بحث عن هذه المعلومات على الإنترنت حتى عرفها قبل أن يحدثها. بدأ عصام
يكتسب ثقتها وكان قد اتفق مع والدها أن يجلس بمكان يسمح له برؤيتهم دون أن يسمعهم
وأن يخبر ابنته بذلك حتى لا تكون قلقة وهي جالسة معه. سألها عصام، بعد أن اطمئن،
عن سبب صراخها بينما كانت تتحدث مع أخيها فقالت:
- أن حسام أخي يأخذ كل شيء أحبه مني، يأخذ
كتبي التي أحب قراءتها، ويعبث في حاجاتي الخاصة. يحاول دائما أن يضايقني بكلماته،
يخطف الهاتف المحمول مني وأنا أستمع إلى الأغنية التي أحبها، أو العب اللعبة التي
أحبها، يضربني رغم أنه أصغر مني بعام؛ وفي ذلك اليوم أصر على أن يأخذ هاتفي بعد أن
أتلف هاتفه فلم احتمل وشعرت بالضعف أمامه وبقلة حيلتي فأبي وأمي يُدللانه لأنه
الولد الوحيد ولا يعاقبانه على شيء يفعله وإذا اشتكيت أنا أو إحدى إخوتي منه لا
نسمع إلا جملة ( وماذا جرى، أنه أخيك الصغير).
قالت الفتاة ذلك وانهمرت الدموع من
عينيها. هدّأ عصام من روعها ووعدها بحل هذه المشكلة وطلب منها أن تنسى ذلك وتبدأ
فترة جديدة وأن تتفوق في دراستها.
أشار عصام إلى الحاج مصطفى فدخل
إليه بينما خرجت ابنته ووالدتها تساعدها على العودة إلى غرفتها. جلس الرجل مع عصام
ليعرف منه ما توصل إليه فسرد عصام عليه ما قالته ابنته. فسر له عصام سلوك ابنته
على أنه شعور بالقهر وقلة الحيلة أدى إلى انهيارها عصبيا. وقال له
- سأشرح لك ببساطة ما حدث لابنتك، ماذا يحدث
لزجاجة المشروبات الغازية عندما ترُجها بقوة وهي مفتوحة؟
- يفور السائل وتندفع منها للخارج
- هكذا ابنتك، ظل ابنك يرجها بشدة ويضغط
عليها فانفجرت، وانفجارها جاء على شكل انهيار عصبي خاصة ولم تجد منك أنت ووالدتها
إلا اللامبالاة بما يفعل ابنكما بها هي وإخوتها. كان من الممكن أن يخرج انفجارها
هذا في أشكال عديدة، كانت من الممكن أن تنتحر أو تقذفه بشيء ولكن لضعفها الشديد
ورهافة شعورها استسلمت للانهيار العصبي
- هل إلى هذا الحد الموضوع خطير؟
- ابنك أيضا يعاني من سلوك التنمر بإخوته، هو
يستقوي على إخوته البنات بك أنت ووالدته، لا يجد منكما إلا التدليل ولا تُعاقباه
على أي سلوك خاطئ يقوم به؛ يأخذ الأشياء الخاصة بإخوته ويتلف أشيائهم الخاصة
ويعتدي على خصوصيتهم.
نظر الحاج مصطفى إلى الأرض وهو يفكر
في كلام عصام وقال
- أدركت الآن خطأي والحمد لله أنني تنبهت قبل
أن تحدث كارثة
- بالفعل يجب أن نحمد الله أن تنبهنا إلى هذه
المشكلة قبل أن تحدث كارثة أكبر من ذلك، أحذرك من عواقب إهمال هذا الأمر، والآن
أريد أن أتحدث مع الولد منفردا
ظل الرجل صامتا وهو ينظر إلى الأرض
وكأن الهموم قد أثقلته فلم يتحملها فوق رأسه، خرج ثم دعا ابنه إلى التوجه إلى
الصالون والجلوس مع عصام ويتكلم معه. أطاع الولد أبيه دون تأخير لما وجده من حزن
وصرامة على وجوه الجميع فخشي أن يطوله بطش أبيه خاصة وقد انهارت أخته وهو يشاكسها.
دخل إلى الصالون فوجد عصام ينتظره فصافحة وجلس. فعل عصام معه مثلما فعل مع أخته، تودد
إليه حتى يستطيع أن يحدثه دون تحفظ ونجح في ذلك.
- هل تعلم حجم المشكلة التي تمر بها أسرتك؟
- نعم أختي مريضة
- أنها ليست مريضة ببعض الصداع أو البرد أو
الإنفلونزا، أنها مريضة لأن أعصابها لم تحتمل أن تأخذ منها أشيائها وتظل تشاكسها،
أبيك يعلم ما فعلته بها ولكني طلبت منه ألا يعاقبك لأنك لم تكن تعلم أن مشاكستك
لأختك من الممكن أن تتسبب في أن تصاب بأذى.
- بالفعل لم أكن أعلم، أنا أفعل ذلك مع
الجميع وكل شيء يمر بهدوء.
- لا، لكل شيء حدود، ضع نفسك موضع إخوتك،
ماذا ستفعل إذا أخذوا منك الأشياء التي تحبها، ماذا لو أخذوا منك الهاتف الذي تلعب
به أو الكمبيوتر الذي تشاهد عليه الأفلام التي تحبها. ماذا ستفعل لو أخذت أختك
الكبرى هاتفك وأتلفته لك؟ هل فكرت في ردة فعلك لو شكوت إلى أبيك ولم يفعل لك شيئا.
- أنا بالفعل أشعر أنني مخطئ.
- أعتقد أن سلوكك الفترة القادمة سيدل على
اقتناعك بخطئك من عدمه، كلمة أخيرة أحب أن أقولها لك، اعلم أن أسرتك هي أقرب الناس
لك وهم الأولى بحبك ورعايتك ومن الممكن أن تحصل على ما تريد بالحب والسلوك الجيد
وليس كما تفعل.
انتهت جلسة عصام مع الابن المدلل
واستأذن في الانصراف وخرج معه الحاج مصطفى ليستمع إلى نصيحته بعد أن جلس مع ابنه
فقال له عصام كلاما أدهشه
- أن ابنك من النوع الذكي، بل ذكائه يفوق
سنه، لقد علم أن المجادلة معي لن تُجدي في شيء فقرر أن يتظاهر أنه اقتنع بكلامي.
ما أرجوه منك ومن والدته أيضا أن تتوقفا عن تدليله الزائد حتى لا يفسد وأن تعاقبه
على أخطاءه بلا قسوة، فالأفضل أن يكون العقاب على قدر الخطأ، وأن يكون هناك تدرج
في العقاب، وإذا قام بخطأ ما ووجدت صعوبة في تحديد العقاب المناسب فاتصل بي سرا
وسوف نتناقش سويا فيه.
شكر الرجل عصام على استجابته
ومجهوده معه واتجه عصام إلى منزله ليرتاح وينام مبكرا للذهاب في اليوم التالي إلى
المدرسة.
