29
حسن النية مع الحذر هما سبيلنا
للسلام الاجتماعي
تعاقبت الأيام وعصام يزداد نجاحا في
عمله في المدرسة وفي المركز الاجتماعي وبدأ مجهوده يأتي بثماره ولكن أعداء النجاح
لا يهدؤون، من يعتبرون الحياة فرصة لجني الأموال حتى على حساب مستقبل الأمة
بأثرها. كان عصام علي وشك الخروج من المنزل للذهاب إلى المركز الاجتماعي للقيام
بما يفعله يوميا من استقبال المشكلات وحلها، وإذا بجرس الباب يرن ففتح الباب ووجد
جارا له قد سكن في الشقة المقابلة له حديثا منذ أسبوع مع زوجته، كان الرجل واقفا مبتسما
أمام باب الشقة وقال
- آسف للإزعاج ولكني أصبت في حادث منذ يومين
وكسر زراعي كما ترى واضعه في الجبس وأصيبت راسي بجرح بسيط.
- لا عليك، شفاك الله وعافاك، أنا في خدمتك،
تفضل بالداخل
- أشكرك، لكني أريد قطع بعض حبات الجوافة
لعمل عصير حيث نصحني الطبيب بشرب كميات كبيرة من العصير لتعويض الدم المفقود
وزوجتي عند أهلها لأنها مصابة هي الأخرى.
- أسف على التطفل، ولكن لماذا لم تمكث معها
عند أهلها؟
- فعلت ذلك ليوم واحد ولم أتحمل لان المكان
هناك غير مريح بالنسبة لي ففضلت الإقامة بمفردي. أريد فقط مساعدتك لأن الخلاط لا
يستوعب حبات الجوافة كاملة وأنا لا أستطيع قطعها لان زراعي الأيمن الذي استخدمه هو
الذي أصيب بالكسر.
- على الرحب والسعة
ذهب عصام إلى شقة جاره فوجده يجهز
له السّكِينة وحبات الجوافة في صالة الاستقبال فقام بتقطيع حبات الجوافة له
شكره الرجل وانصرف عصام. خرج عصام
من باب العمارة فوجد الأستاذ رفعت والحاج مصطفى يقفان مع شخص آخر وهو صاحب أحد
محالّ البلاي ستيشن في المنطقة، ذهب إليهم وصافحهم فقال له الأستاذ رفعت
- أعرفك يا أستاذ عصام بالسيد حمودة المشهور
ب حمو اكشن صاحب محل البلاي ستيشن ويبيع أيضا أسطوانات الأفلام الأجنبية الحديثة
قبل أن تنزل بالسوق
- مرحبا سيد حمو
- السيد حمو يشكوا أن عمله قد تأثر بندواتك
وما تقوله للناس بإبعاد أولادهم عن لعب البلاي ستيشن ومشاهدة أفلام الاكشن
- أولا أنا لم أمنعهم، أنا نصحتهم بمتابعة
أولادهم ومتابعة ما يشاهدونه والابتعاد عن قضاء أوقات كبيرة في اللعب والابتعاد عن
مشاهدة أفلام العنف والدم.
رد حمو اكشن بعصبية
- هذا هو مجال عملي، وهذه هي الألعاب
والأفلام المنتشرة
رد عصام وقد حافظ على هدوءه
- إذا كان مجال عملك هو أذى الأولاد وفساد
عقولهم فيجب عليك تغييره وألا تُعتبر مشاركا في جريمة إفسادهم.
رد حمو وقد ازدادت حدة صوته
- هذا عملي ولا أعرف غيره وعليك أن تتوقف عن
حث الناس عن الابتعاد عن الأفلام والبلاي ستيشن
- إذا كان الناس قد استجابوا فهذا يعني أنني
نجحت في إقناعهم بشيء صحيح، وأن ما تفعله هو الخطأ.
- أنت لن تعلمني ما افعل وما لا أفعل، أنصحك
أن تتوقف عما تفعل أو تذهب لمكان آخر
- أنا لا اقبل تهديدك هذا
- اذن أنت الجاني علي نفسك
قالها حمو اكشن وانصرف وهو يتوعد
عصام ببعض كلمات التهديد بصوت مرتفع. قال الأستاذ رفعت
- أن هذا الشخص عدواني فاحذره يا عصام، لقد
تأثر بعدم ذهاب أبناء الحي إلى محله، رعاية الآباء لأبنائهم يضره لأنه لا يكتفي
بتصدير العنف إلى الأولاد عن طريق الأفلام والألعاب فقط، ولكنه يجذبهم إلى طريق
الحبوب المخدرة، كثير منا يعلم ولكن لا دليل على هذا الكلام وأيضا يخشى الناس
بطشه.
- لماذا لم تبلغوا الشرطة عنه؟
- بالفعل حدث ذلك أكثر من مرة ولكن في كل مرة
لا يجدوا أي دليل على اتجاره بالمخدرات ولا يتكلم أحد ممن أخذهم في طريق المخدرات
خوفا من بطشه وحتى لا يتوقف عن تمويلهم وربما استغل أحدهم في الترويج له فلن يورط
نفسه.
- أنا أفعل الشيء الصحيح ولا أهتم بمثل هؤلاء
- وفقك الله يا بني في طريق الخير
دعاه عصام إلى منزله لتناول فنجان
قهوة ولكن الأستاذ رفعت اعتذر لانشغاله وتصافحا وانصرفا كلا إلى مقصده. ذهب عصام
إلى المركز الاجتماعي فلم يجد أحدا من أصحاب المشكلات ينتظره، فمكث قليلا يتكلم مع
السكرتيرة ثم آثر أن ينصرف لما وجدها تتطرق إلى أمور شخصية فخشي أن تتدخل في شئونه
فانصرف. اخرج بطاقة تعارف من جيب سترته واخرج هاتفه وطلب رقما وانتظر حتى سمع صوت
الطرف الآخر فقال عصام
- مرحبا أستاذ هشام، أنا عصام أستاذ الفلسفة
الذي قابلتك في الميكروباص في شارع فيصل
انتظر قليلا حتى سمع صوت الطرف
الآخر ثم قال
- حسنا، بالفعل أود مقابلتك، سأحضر إليك الآن
في المقهى.
أنهى عصام المكالمة وذهب إلى أحد
المقاهي سيرا وكان المقهى يقع على شارع فيصل الرئيسي. دخل فوجد هشام جالسا مع صديق
فأشار إليه وعندما وصل إلى المنضدة وقفا لمصافحة عصام ثم انضم إليهما، أشار هشام
للنادل فحضر وطلب عصام كوب من الشاي ثم قام بتقديم عصام للضيف وكذلك تقديم الضيف
لعصام. قال هشام موجها كلامه للضيف
- هذا الأستاذ عصام، معلم مادتي الفلسفة وعلم
النفس وجاري
يهز الرجل رأسه ترحيبا ثم يقول
- مرحبا بك أستاذ عصام
ثم أكمل رفعت
- وهذا أستاذ محمود سالم، صديق عزيز وزميلي
- رحب عصام به بابتسامته الجميلة ثم أضاف
- لقد تحدثت مع حضرتك في مقابلتنا السابقة عن
عزمي نشر كتاب عن التنمر
- عظيم، وأنا في خدمتك، هل أحضرت مسودته معك؟
- نعم، هذا هو
ثم أخرج ملف به أوراق كثيرة كان قد
أحضره معه وأعطاه إياه. أخذه هشام ثم نظر فيه سريعا وأضاف
- الكتاب جيد من الناحية اللغوية والتنسيق
ولكن المحتوى تحكم عليه لجنة الاطلاع والقراءة بالدار لإبداء الموافقة من عدمها
على نشر الكتاب وسوف أبلغك قرار اللجنة في أقرب وقت بإذن الله.
- أشكر اهتمامك وفي انتظار رد حضرتك
حضر النادل وأحضر الشاي الذي طلبه
عصام، تناوله أثناء مناقشته لبعض نقاط الكتاب بناء على طلب هشام. عبّر هشام عن
إعجابه بفكرة الكتاب وقصص التنمر التي ذكرها عصام والتي يحتويها الكتاب وكذلك
الحلول العملية التي وضعها عصام للتخلص من التنمر في الشارع والمدرسة بناء على
دراسة واقعية للمجتمع ومشكلاته وأيضا حلول عملية تم تطبيقها والتأكد من أنها تناسب
المجتمع وقابلة للتطبيق. تبادلوا أطراف الحديث قليلا بعد ذلك ثم شكرهم عصام مرة
أخرى وانصرف.
شعر عصام بسعادة تغمره لأن أحد
أمنياته أوشكت أن تتحقق وانعكست هذه السعادة على تعبيرات وجهه. تمتم في نفسه أوشك
أول أبنائي على الظهور للدنيا، كم هي سعادتي بأن تتحقق أولى أمنياتي، حمد لله أنني
قابلت ذلك الرجل الذي شجعني على أن تخرج أمنيتي إلى حيز التنفيذ فتتحول من حبر على
ورق ملقى في درج مكتبي إلى أفكار يتناولها الناس ويستفيدون بها، ظل يفكر في خطوته
التالية حتى وصل إلى منزله، وجد سوبر ماركت المصطفى مغلق فدخل مباشرة العمارة وصعد
إلى شقته. أراد أن يطمئن على جاره وعلي يده المكسورة فتوجه إلى شقته ولكنه وجدها
مغلقة ولاحظ أنها مغلقة منذ يومين أو أكثر لكثرة الأتربة على باب الشقة. عاد إلى
شقته ودخلها فوجد والدته تنتظره فقبل يديها ورأسها وتوجه إلى غرفته ثم جلس يتناول
طعام أعدته والدته وسألها عن جارهم فأخبرته أنها رأته مرة واحدة فقط وبعدها شقته
مغلقة دائما. تعجب عصام ولكن لم يلقي للموضوع بالا.
