19
الإنسان
الذكي من يحترم أفكار الآخرين وإن كانت بلا جدوى له
وصل خالد إلى فيلا الدكتور أحمد
مصطفى واستقبله الضابط طارق بحفاوة ثم دعاه إلى الداخل فوجد الدكتور أحمد في
استقباله جالسا في حديقة الفيلا. جلس خالد بعد أن استقبله طارق استقبالا حارا
وصافحه الدكتور أحمد ثم جاء أحد الخدم بثلاثة أكواب عصير وبدا طارق يتحدث إلى خالد
- لقد طلبت عصير المانجو الذي تحبه يا سيادة
العقيد
- أشكرك يا طارق، لا داعي لذلك فلست غريبا
ابتسم طارق وقال
- بالتأكيد يا أفندم، حضرتك صاحب بيت
انتهت المجاملات بين الاثنين ثم قال
الدكتور أحمد
- لقد أخبرني طارق أنك تريد معرفة أهم
الأمراض النفسية التي من الممكن أن تدفع المريض إلى ارتكاب جرائم.
- بالفعل هذا ما أود معرفته ومناقشته مع
حضرتك، فهناك جريمة أظن أن سببها مرض نفسي وأريد استيضاح الأمر من سيادتك
- حسنا، وأنا في خدمتك، من أول الأمراض التي
تدفع المريض إلى ارتكاب الجرائم هو مرض فصام البارانويا أو اضطراب البارانويا،
ويقدم المريض المصاب بهذه الأمراض على القتل الذي يكون أحيانا متعمدا لأنه يتخيل
أن الشخص الآخر سيقتله، فيقدم على ارتكاب جريمة القتل من منطلق اقتل قبل ما أن
تُقتل. مريض الصرع أيضا ممكن أن يقتل دون أن يدري. مريض الوسواس القهري تلح عليه
فكرة معينة وتتكرر حتى ينفذها وقد تكون هذه الفكرة هي القتل. الاكتئاب السوداوي
مرض خطير يدفع صاحبه في أقصى حالاته إلى قتل أقرب الناس إليه لأنه يعتقد أن الدنيا
سيئة جدا ولا تستحق وجودهم فيها وغالبا يقتل نفسه بعد أن يقتلهم. الهوس وهو ارتفاع
المزاج بشكل مرتفع جدا وانخفاضه بشكل مفاجئ وإذا صاحبه اكتئاب يسمى الهوس
الاكتئابي، وهناك نوع منه يُسمى الهوس الشبقي وهو أن يتخيل المريض أنه يحب فتاة
وأنها تبادله نفس الحب وان هناك من يمنع تواصله معها وقد يقدم على قتله للتخلص منه
لكي يتواصل معها ويكمل حبه وتكون الحبيبة في هذه الحالة عادة ضحية مرضه.
- حسنا يا دكتور، هذا النوع الأخير – الهوس
الشبقي – هل من الممكن أن يتحول هدف المريض من قتل من يمنعه عن حبيبته إلى إلحاق
الأذى بضحيته بأي طريقة
- من الممكن أن يحاول الضغط عليها بأي وسيلة
لتقبل حبه، حتى لو عرضها للأذى.
ظل خالد يناقش الدكتور أحمد ويحاوره
في أنواع الأمراض النفسية، ودعاه طارق إلى تناول الغداء أثناء الحوار ولم تفلح
محاولات اعتذار خالد أمام إلحاح طارق والدكتور أحمد، استمر النقاش بعد الغداء حتى
وقت متأخر فاستأذن للانصراف واعتذر على تسببه في أي مضايقات لهم، فقابلة الدكتور
بابتسامة وأبدى سعادته أن هناك ضابط يهتم بالأمراض النفسية ويهتم بتحليل دوافع
المرضى النفسيين لارتكاب الجرائم. بل قال لخالد إنه على أتم الاستعداد لاستقباله
في أي وقت لمناقشته في أي مرض نفسي يشك خالد أن المذنب يعاني منه. اقترح عليه خالد
أن يقوم الدكتور مصطفى بإلقاء بعض المحاضرات لتثقيف الضباط بأهمية الإلمام
بالأمراض النفسية ودور هذه المعرفة في الوصول إلى حقيقة بعض الجرائم على أن يقوم
خالد بتقديم طلب إلى رؤسائه لعقد مثل هذه الندوات التثقيفية. رحب الدكتور أحمد
بفكرة خالد وأثنى على تطلعاته وشخصيته. انصرف خالد وهو ممتن من المقابلة وقد حاول
أن يصف ما يعاني منه جابر على أنه نوع من الشك المختلط ب الهوس الشبقي؛ ولكن يحتاج
إلى محاورة مشيرة ليتأكد منها إذا تعرضت لمطاردات جابر أم لا وكذلك يجب وضعها تحت
مراقبة وحراسة مشددة خوفا من إقدام جابر على إيذائها بأي وسيلة.
استقل خالد سيارته متجها إلى
المديرية ولكنه نظر في ساعته فوجدها تخطت العاشرة فغير طريقه إلى البيت لأنه يحتاج
إلى الراحة لاستئناف البحث في القضية في اليوم التالي. اخرج هاتفه واتصل بمحمود
وقص عليه سريعا ما وصل له وطلب منه وضع حراسة أيضا على مشيرة لوجود احتمال أن جابر
من الممكن أن يتعرض لها. طلب منه أيضا أن يتواصل مع مباحث الإنترنت لإزالة أي أثر
لصور ومقاطع الفيديو الخاص بمشيرة مع معرفة مصدرها على الإنترنت فربما يقودهم ذلك
إلى مكان جابر.
أخبره محمود أنه بالبحث وراء جابر
توصل إلى بعض المعلومات التي ربما تفيدهم في القضية، أولها أنه خريج كلية الآداب
قسم الدراسات اليونانية واللاتينية وهذا يفسر الكلمة التي كتبها ويؤكد شكهم فيه.
أبدى خالد سعادته بسماع هذه المعلومة وأثنى على نشاط محمود وهمته. الخبرة محمود
أيضا أنه بتفتيش شقة جابر عثر على تقليد متقن لتمثال فرعوني وأنه قام بالنصب على
كثير وكانت العديد من المحاضر قد تحررت ضده في اليومين الأخيرين وكلهم أدلوا
بأوصافه. تعجب خالد من ذلك ولكنه فضل أن يناقش محمود في المكتب في اليوم التالي.
----------------------------
في صباح اليوم التالي، دخل محمود
على خالد مكتبه في المديرية بعد أن استأذن وقال
- لم أجد جابر أيضا، مازال مختفيا
- لن تجده
تعجب محمود وهو يجلس أمام مكتب خالد
-لماذا لن أجده
التقط خالد ورقة من فوق المكتب وأعطاها
لمحمود الذي التقطها بسرعة وبدأ في قراءتها ثم قال
- كيف قُتل، ومن قتله؟
- وجدوا جثة ملقاة في ترعة المريوطية وداخل
الملابس وجدوا إثبات الشخصية الخاص بجابر، اتصلت بالضابط الذي عاين الجثة قبل
إرسالها للمشرحة وأخبرني أن الجثة ظلت لأكثر من ثلاثة أيام في المياه مما أدى إلى
انتفاخها وطمس جميع ملامحها علاوة على أن الجثة تعرضت للتشويه بحمض الكبريتيك
المركز أو ما نطلق عليه ماء النار في مناطق الأطراف والوجه ولكن من الصعب – كما
جاء في التقرير – تحديد ما إذا كان التشويه بعد القتل أو قبلة. حدد الطب الشرعي
طريقة القتل بأنه اصطدام بشيء صلب ولا توجد آثار لطلقات رصاص أو جروح غائرة بسكين
أو ما شابه ذلك. ويرجح أنه حادث سيارة
- إذن فهو حادث سيارة كما جاء في التقرير.
- هذا أرجح لان الكسور والصدمات بمختلف أنحاء
الجسم، فلو كان قد ضُرب بشيء صلب مثلا فلن يكون بكافة أنحاء جسمه كدمات وخدوش
إضافة إلى رأسه.
- من له مصلحة أن يشوه الجثة هكذا، وإذا كان
لديه الفرصة لكي يرميها في ترعة المريوطية فكان من الأولى أن يجردها من هويتها.
- كلام مضبوط يا محمود، هكذا بدأت تفكر
بطريقة مفتش المباحث وليس بعقلية الضابط، أنا ممتن لك جدا لأنك في الفترة الأخيرة
تجتهد بشكل ملحوظ
- شكرا يا أفندم
- إذا نحن أمام احتمال أن تكون الجثة ليست
لجابر.
- لكن لمن تكون؟
- لن نستطيع التكهن بذلك. فقط قم بتشديد
المراقبة والحراسة على مشيرة لأن هناك احتمال أن يتعرض لها
- حسنا، ولكن لدي تساؤل
لم يرد خالد ليترك له فرصة الاسترسال
في الكلام
- من أين لك بهذا الإيمان الراسخ أن جابر سوف
يعتدي على مشيرة.
ابتسم خالد ثم قام وبدأ يتحرك في
الغرفة وهو يقبض على ورقة صغيرة يطبقها ثم يفردها مرة أخرى
- أتعلم، لو كنت أشرب سجائر، لقضيت على
الكثير منها اليوم
- حقيقة لأول مرة أرى ضابطا لا يدخن، وفي
المباحث بصفة خاصة
ابتسم خالد ثم أكمل حديثه
- لقد قرأت من قبل عن بعض الأمراض النفسية
التي تتسبب في جرائم، ولكن لم أفهم الكثير من أسباب ذلك، وعندما وجدنا علبة الدواء
الذي يستخدم في علاج الأمراض النفسية تذكرت هذا الأمر، وقابلت مؤخرا طبيب أمراض
نفسية ورسخ لدي فكرة تسبب المرض النفسي في ارتكاب جرائم
- وما هو المرض النفسي الذي يعاني منه جابر
- منذ الوهلة الأولى وأنا أعتقد أن مرضه هو
الهوس. أمس، أكد لي الطبيب معلومة مهمة ولما طبقتها على حالة هذه القضية وجدتها
مناسبة، وهي أن الجاني يعاني من الهوس الشبقي، يتخيل أن مشيرة تحبه كما يحبها
وأنها مغرمة به لدرجة كبيرة وأن هناك من يمنعها عنه ولذلك أقدم على قتله، ولذلك
فإن موضوع النقود اعتقد أنه استثنائي أو إضافي، بمعنى أن الهدف الأول هو التخلص من
القتيل لأنه يمنعه عن حبيبته.
- لم توضح لنا مشيرة أن جابر كان يحبها أو
شيء من هذا
- وهذا ما أود أن نقوم به بعد أن قمنا بحل
مشكلتها المنتشرة على الإنترنت
- حسنا، سوف أخبرها لتحضر للتحقيق معها
- لا، سوف نذهب لها سويا ولكن اتصل بها
وأبلغها بأننا سنكون عندها بعد ساعتين
- حسنا يا أفندم، ولكن عصام صديقي الذي حدثتك
عنه اتصل بي وقال إن عنده فكرة تجعل جابر يظهر
- أرجو أن تعلم أنني أوافقك على أن تتكلم مع
صديقك عصام عن القضية بشكل استثنائي وعلي مسئوليتي لأني أثق بك وبه وكذلك لأنني
أرى أنه ربما يفيدنا في تفسير سلوك الجاني
- اعلم ذلك يا أفندم وأشكر لسيادتك هذه الثقة
الغالية وما كنت أناقش أحدا في القضية إلا بعد اذن سيادتك
- حسنا دعه يحضر بعد أن نذهب لمشيرة.
- إنه في طريقه إلى هنا بالفعل، فلم أكن أعلم
بهذه الزيارة المفاجئة
- حسنا دعه يحضر ثم نتحرك لمشيرة ولكن أخبرها
بالميعاد
- حسنا يا أفندم
خرج محمود من مكتب خالد وهو يحدث
عصام في هاتفه ويذهب ليستقبله
----------------------------
كان خالد يطّلع على بعض الأوراق في
مكتبه وهو يدندن بأغنية قديمة للفنان محمد عبد الوهاب (محلاها عيشة الفلاح مطمن
وقلبه مرتاح) ثم يتمتم بالتأكيد كان يقصد الفلاح الإنجليزي. وضع بعض الأوراق جانبا
واستمر في تصفح باقي الأوراق. سمع طرقات على الباب فسمح للطارق بالدخول. دخل محمود
وبصحبته عصام. بادر خالد بمصافحة محمود وعصام ثم دعاهما للجلوس. بادر محمود بتقديم
خالد وهو يشير إليه بينما يخاطب عصام
- سيادة العقيد خالد، رئيسي وأستاذي، تعلمت
ومازلت أتعلم منه الكثير
ابتسم خالد وأكمل محمود تقديم عصام
وقد أشار إليه ووجه الكلام لخالد
- أستاذ عصام، معلم مادتي الفلسفة وعلم النفس
وصديقي العزيز وأكثر من أخ بالنسبة لي
يبتسم عصام ويربت بيده على كتف
محمود، يبادر خالد بالحديث
- مرحبا أستاذ عصام، لا حديث لمحمود عن
أصدقائه إلا عنك وصديقكم الآخر كمال، وعنك بالتحديد، حدثني كثيرا عن حلمك بان
ينتهي التنمر من المجتمع المصري ومن المدارس على وجه الخصوص.
- محمود بالنسبة لي من أعز أصدقائي ونحن
ثلاثة أصدقاء لم نفترق مطلقا واعتبرهم إخوتي. حاولت كثيرا ومازلت أحاول لتحقيق هذا
الحلم.
- وفقك الله، واعتبرني أخ أكبر بالنسبة لك،
ولا تتردد في طلب أي شيء.
- هذا يشرفني سيادة العقيد، لقد حضرت مع
محمود اليوم لأن لدي رأي أرجو أن يكون مفيدا في القضية التي بين يديكم
- حسنا ولكن دعنا نتكلم في الطريق لان لدي
موعد هام
دُهِشَ محمود من طلب خالد لاستكمال
الموضوع في طريقهم إلى مشيرة، وما هي إلا ثوان وكانوا في سيارة
خالد وقبل أن يتحرك بالسيارة بادر
خالد بالسؤال
- ما هو رأيك في القضية؟
رد عصام بعد أن نظر إلى محمود نظرة
تعجب
- بمتابعتي لسلوكيات المتهم وبعد أن أبلغني
محمود أنكم غير مقتنعين بموضوع موته وأن استمرار اختفائه حتى الآن يمثل خطرا على
آخرين خاصة وسلوكه يتسم بالعدوانية؛ فقد فكرت في خطة تجعله يظهر
- حسنا، هذا رائع، ما هي الخطة؟
عرض عصام خطته على خالد ومحمود
واقتنعا بها، واتفقا على موعد لتنفيذها. أبدى خالد سعادته من استعداد عصام الدائم
لمساعدة الآخرين وتسخير كل إمكانياته في خدمة من حوله. طلب عصام من خالد أن يساعده
في إيجاد عمل ل نصر بعد أن قص عليه حكايته وشرح حالته باستفاضة وأبدى خالد
استعداده للمساعدة. انصرف عصام بعد أن أبدى بالغ سعادته بالتعرف على خالد عن قرب.
بعد انصراف عصام عبر خالد لمحمود عن سعادته بالتعرف على شخصية جميلة ومتزنة مثل
عصام مما زاد من سعادة محمود بلقاء صديقه برئيسه.
