القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

خريف يتهادى - الفصل العشرون

 20

يُصبح يومي جميلا، عندما أبدأ صباحي بك

 

 


 

استمرت لقاءات عصام ودينا بعد انتهاء ميعاد المدرسة وأصبحت عادتهما اليومية بعد المدرسة أن يشترى لها عصير مانجو طازج ويسيرا سويا ثم يستقلا السيارة الأجرة إلى المنزل.

بدأ عصام برنامجه في المدرسة ولاقى تعاونا كبيرا من زملائه وزميلاته من المعلمين والمعلمات فبدأ بتطبيق نظام مجموعات العمل داخل الفصول الدراسية مما عزز التقارب بين الطلاب والمعلمين من جهة وبينهم وبين بعضهم البعض من جهة أخرى. كان المعلم داخل الفصل يشرح مادته ثم يطلب من الطلاب عمل نشاط معين يخص ما قام بشرحه ومن ثم يتعاون الطلاب فيما بينهم ويبذلون جهدا مشتركا في تنفيذ النشاط والبحث عن المعلومات اللازمة. انطلقت دينا تساعده بكل نشاط لتحقيق هدف واحد وهو أن تنتهي السلوكيات العدوانية بين الطلاب. كأنا يتبادلان المناقشات بينهما حول هذا الموضوع. وتظل تنظر إليه بكل إعجاب وانبهار وهو مندمج في التوضيح والشرح وتنفيذ منهجه المتميز في محاربة سلوك التنمر داخل المدرسة، وتندهش من مدى إخلاصه في القيام بعمله وكذلك مدى حماسه لذلك وإيمانه بقضيته.

كان عصام يطّلع على كل التقارير الأسبوعية التي يتلقاها من المعلمين كجزء من برنامجه الذي اتفق مع المعلمين عليه. كانت التقارير توضح أهم المشكلات التي يعاني منها الطلاب بالفصل ومدى الصعوبة التي تواجههم في التعامل مع هذه المشكلات. تلقى في إحدى المرات تقريرا من معلم مادة الرياضيات أن الطلاب بأحد الفصول في الصف الثالث الإعدادي لا يتقبلون مادته، وكلما يحاول شرح المادة يجد عندهم صعوبة في فهمها. اتجه عصام إلى الفصل في إحدى الحصص، دخل من الباب وكان الطلاب يثرثرون بصوت مرتفع ولا يلتفتون إليه، ظل واقفا وهو ينظر إلى كل طالب يثرثر حتى صمت الجميع حياء منه وقال أعرفكم بنفسي، أنا الأستاذ عصام وأنا حضرت إليكم من أجل الدردشة ليس إلا ابتسم الطلاب وكان ذلك علامة على نجاحه في الخطوة الأولى. أضاف أريد أن أسألكم عن أفضل مادة. قال بعض الطلاب اللغة الإنجليزية وبعضهم الألمانية وبعضهم الدراسات الاجتماعية وهكذا فقال عصام لماذا لا تحبون الرياضيات؟ فقد لاحظت أنه لم يذكر أحدكم أنه يحب هذه المادة؟. قال الطلاب إن المادة صعبة وهم لا يستطيعون فهمها. اخرج عصام كيسا بلاستيكيا ثم وضع فيه قطعة طبشور ونفخ الكيس ثم احكم إغلاقه وقال للطلاب منكم يستطيع أن يخرج قطعة الطبشور من الكيس بشرط ألا يثقف الكيس أو يقطعه. ساد الصمت بين الطلاب ثم قال أحدهم كما وضعتها حضرتك يمكنك أن تخرجها. ضج الفصل بضحكات الطلاب بينما قال عصام بعد أن أخرج جنيه من جيب سترته هذا بالفعل هو الجواب الصحيح وتستحق جائزة رمزية ثم أعطى الجنيه للطالب الذي قال ذلك. أردف عصام قطعة الطبشور مثل الانطباع الذي لديكم عن مادة الرياضيات والكيس مثل عقولكم، فلن يستطيع أحد أن يخرج الانطباع بصعوبة المادة من عقولكم الا أنتم. ضج الفصل بالهمهمة ثم ضج بالتصفيق لعصام الذي ابتسم وظل يحثهم على حب العلم والتعلم مهما وجدوا من صعوبات أمامهم. حدثهم عن توماس أديسون الذي حصل على لقب أعظم مخترع في التاريخ والذي قال حاولت 99 مرة لصناعة المصباح الكهربائي قبل أن تنجح التجربة. استمر يحدثهم ويحكي لهم قصص عظماء العلماء مثل العالم الشامل البيروني وكيف أنه نبغ في علوم الجغرافيا والتاريخ والفلك والهندسة والنبات، هؤلاء الذين لم يعرف اليأس طريقا إلى قلوبهم. استمر في حديثه هذا والطلاب يصغون إليه دون أن يتململ أحد أو يلتفت إلى من بجواره. كانوا بحاجة إلى من يلهب حماسهم وهذا هو المغزى من قصص هؤلاء العظماء. استمتعوا بحديثه حتى انتهت الحصة. جاء له في تقرير معلم مادة الرياضيات الذي كان يشتكي من طلاب هذا الفصل أن الطلاب بدءوا يتقبلون المادة ولاقى منهم تعاونا كبيرا أثناء الحصة وعبر لعصام عن امتنانه وسعادته من جهده مع الطلاب لأنه أعاد إليهم الحماس والمثابرة.

 

 

 ----------------------------

بينما كانت ياسمين تتحدث مع صديقاتها أمام باب الجامعة سمعت صوت كمال يناديها، فالتفتت اليه وابتسمت ثم استأذنت صديقاتها اللاتي لاطفنها قبل ان تتركهن. وصلت اليه وكان قد ابتعد قليلا واستند الى سور الجامعة، وقفت امامه ثم ابتسمت بينما قابلها بابتسامة مشرقة ومد يده ليصافحها فصافحته ثم بدأ الحديث وهو مازال يحتفظ بكفها بين راحتيه

- وحشتني، كان دهرا مضى منذ اخر لقاء

- مع تحفظي على حضورك حتى باب الجامعة ولكنك وحشتني ايضا.

- اعلم ان اخر لقاء تواعدنا ان يكون اللقاء الاخير بيننا خارج بيتكم، لكن هناك بعض المشكلات والقضايا التي كانت تشغلني واضطرتني للسفر بين المحافظات، وقد انتهيت منها الآن

- حسنا، اذن متى ستخبر عصام بخطوبتنا

- سأطلب منه معاد في المنزل لأتقدم رسميا، اخشى ان اخبرته في اي مكان اخر او باى طريقة اخرى ان يظن بي سوءا

- لا تقلق، عصام يثق بك، وسوف احاول ان امهد له الطريق، ولكن ليس مؤكدا، فلا اعرف اذا كنت استطيع ان اخبره ام لا ؟

- حسنا حاولي

افلتت يدها من بين يديه ثم ابتسمت واستطردت

- لا تخشى عصام، فلا يوجد من هو اكثر حنانا منه

- اعرف، ومن الواضح ان الحنان ميراث في عائلتكم، فلم اجد حنانا في عينن مثل عينيك

ابتسمت ياسمين واحمر وجهها خجلا ثم نظرت الي عينيه ثم يمينا ويسارا وقالت

- ساضطر ان انصرف للحاق بصديقاتي

- مهلا، انتظري، اريد ان اشحن طاقتي

قالت برقة وهي تنظر الى عينيه

- لن اقدر على هذا الكلام الجميل ولن استطيع الهروب من عينيك، اعرفك تماما عندما تنظر الي هكذا فتسيطر علي تماما.

- ابتسم كمال ثم قال بحنان ورقة

- لم اكن اعلم ان لي عليك سلطان كما لعيونك سلطان على قلبي

ابتسمت ثم احتضنت كتبها وظلت تنظر اليه مبتسمة بينما استطرد كمال

- احب ان اراكِ في هذه الحالة، كعصفورة تتساقط عليها قطرات الندى في صباح يوم من ايام الربيع

- اخبرتك ان لكلماتك واقع السحر علي ولن استطيع ان اتحملها

- كيف لقلبي ان يتحمل تأثير عينيكِ هذه عليه، فكل نظرة كسهم كيوبيد تصيبه فينتفض شوقا لسهم اخر وكلما رأيتك انتفض اكثر حتى انني لا اتحمل اكثر من هذا

- حبيبي لا تخجلني اكثر من ذلك

قاطعها كمال

- ماذا قلتِ

- لا تخجلني (قاطعها)

- لا، الكلمة التي قبلها

- حبيبي

- نعم، اريد ان اسمعها

- حبيبي، ألا تعلم كم احبك

- لا، لا اعلم، اخبريني

- لا فائدة، تطمع كلما أخذت المزيد

- هل يكتفي أحد من الحب، هل يكتفي أحد من السعادة، حبي لك هو سعادتي

- كفى يا كمال، لا استطيع

ثم نظرت الى صديقاتها اللاتي نظرن اليها بابتسامة وأشارت إليهن لينتظرن ثم قالت

- اترى، هن يلاحظن كل شيء، وأشعر ان كل الناس تعرف ما يدور بيننا، اشعر بكل العيون تلاحقني وانا معك

- كيف وأنا لا اشعر إلا بعينيك انتِ فقط. لا اشعر بأحد على الإطلاق وأنا معك

بدا عليها القلق وقالت

- حسنا، أخشى ان أتأخر

نظر اليها ثم صافحها والتقط كفها وضغط عليه شوقا إليها بينما نجحت هي ان تفلت يدها وهي تبتسم وانصرفت. كانت صديقاتها ينظرن إليها ويتغامزن وهن يستقبلونها. انتظر كمال حتى انصرفت ياسمين مع صديقاتها ثم غادر وهو يسترجع ابتسامتها ونظرات عينيها.

----------------------------

 

التنقل السريع