القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

خريف يتهادى - الفصل الحادي والعشرون

 21

أنا لا احلم بفارس يخطفني بل برجل يحتويني



 

وصل خالد ومحمود إلى منزل مشيرة، كانت مشيرة في استقبالهما وقسماتها تحمل هما كبيرا. ظل خالد ينظر إليها وعينيه لا تفارق تعبيرات وجهها، لقد رأى ما بداخلها ينعكس على وجهها، تعاني من الحرج، الخجل، الخزي، الحزن، الخوف. بالطبع هناك من يجيد إخفاء ما بداخله ولا يظهر من ملامحه إلا ما يريد أن يراه الناس وهناك من يتألم رغم ابتسامته ولكن الحزن يظهر على ملامحه، وهذا حال مشيرة. حاولت مشيرة إخفاء مشاعرها ولكنها لاحظت أن محمود قد وصل إلى داخلها، اخترقها بنظراته، لا ليعلم صدقها من عدمه مثلما يفعل خالد بنظراته البوليسية ولكن ليواسي قلبها بأن هناك من يقبلها على اية حال، يقول لها بعينيه أنا بجانبك، التمس لك العذر، لست مخطئة، سأبذل قصارى جهدي لمساعدتك. نظرت إلى عينيه وقد شعر أنها سوف تفهمه، هي تحتاج إلى رجل يقف بجوارها وقد علمت أنه يحميها من بعيد وهو يعلم ذلك، قالت بعد أن حاولت الابتسام

- أشكركم على ما حسن صنيعكما معي فقد تداركتما المصيبة قبل أن تتفاقم

دخل خالد في الموضوع مباشرة

- لا شكر على واجب، ولكن أخبريني كيف حصل جابر عليها ولماذا أنتِ بالذات؟

تنهدت ثم قالت بنبرة حزينة

- في لحظة من أسوأ لحظات حياتي نسيت الهاتف المحمول على مكتبي بالشركة وذهبت للمخزن مع أحد العملاء، هذه ليست عادتي أن اترك مكتبي ولكن العميل كان لطيفا وعلي استعداد لإتمام صفقة كبيرة معه في حالة الركود التي يمر بها السوق وبالفعل أبرمت معه صفقة كبيرة كافئني الحاج إبراهيم عليها. استغل هذا السافل انشغالي واخذ الهاتف ونقل منه إلى هاتفة بعد الصور ومقاطع الفيديو التي أظهر فيها وبعض زميلاتي ونحن نرقص بملابس خاصة بمناسبة لإحدى زميلاتي وهي الحنة وكما تعرف سيادتك أننا نتجمع كصديقات العروسة في هذا اليوم ونأخذ راحتنا في الرقص والمرح دون قيود لأننا كلنا بنات وسيدات ولو كنت أعلم لما فعلت

- لماذا فعل معك هذا؟ وأنتِ تحديدا، وهل ساومك قبل ذلك؟

- عندما عمل بالشركة ومنذ أول يوم وأنا لا أشعر بالراحة تجاهه، شخص متقلب المزاج، يشك في كل من حوله، يحاول فرض رأيه. يكره النساء جميعا وبالنسبة له كلهن خائنات. كان يقول لي إنه معجب بي ويريد أن يتقرب مني أكثر، كنت أصده وكان يجلب لي هدايا غالية الثمن.

تنهدت وهي تقوم بتعديل عويناتها فوق أنفها

- أرى، بل مقتنعة أن الله يعاقبني لاني قبلت منه الهدايا كنوع من المجاملة. بعد فترة بدأ يطلب مني أن نتقابل خارج الشركة وكنت أرفض، حاول ذات مرة أن يمسك يدي فصددته وشكوت للحاج إبراهيم وقام بتوبيخه بشكل عنيف جدا وهدده بالطرد من الشركة لولا أنه لا يحب قطع العيش. تغيرت هيئته في لحظة عندما شاهد ثورة الحاج إبراهيم واعتذر وقال إن غرضه حلال وقلت له إنني لا أريد الارتباط به وأريده أن يبتعد عني وحذره الحاج إبراهيم من الاقتراب مني. قمت بجمع حاجاته بعد هذه الحادثة وأعطيتها له وأخذها وهو يبتسم دون أن يتفوه بكلمة. بعد أقل من شهر ترك الشركة وعلمت من الحاج إبراهيم أنه كان يتعامل معه ولكن لم يُخبرني بأي تفاصيل.

نظر خالد إلى محمود الذي فهم قصده وابتسم، مال خالد علي محمود وقال له تأكدت من شكي. لاحظت مشيرة ذلك، ولكنها لم تعلق واستأذنت لتحضر القهوة التي طلبها خالد ومحمود الذي قال بدوره

- بهذا نكون قد تأكدنا أن جابر مصاب بهذا الهوس

- ليس تماما ولكن على الأقل بنسبة كبيرة تأكدت نظريتي

أحضرت مشيرة القهوة وجلست بينما حضر والدها لتوه من الخارج ورحب بالضيوف، قالت مشيرة وهي تشير إلى والدها

- والدي، الأستاذ رفعت مدرس لغة عربية وهو على المعاش الآن

ثم أشارت إلى خالد ومحمود على الترتيب

- سيادة العقيد خالد وسيادة الرائد محمود من المباحث، يحققان في قضية الحاج إبراهيم رحمه الله

قال والدها الأستاذ رفعت بشيء من التأثر

- رحمه الله، لقد كان رجلا طيبا

أضاف خالد

- رحمه الله، شرف كبير لنا أستاذ رفعت أن نتعارف الآن ولو أنني كنت أفضل موقفا آخر

ابتسم رفعت

- مرحبا بكم في كل وقت، وبإذن الله تتحسن الأوضاع وينال القاتل جزاءه، استأذنكم فإن البيت بيتكم وأنا متواجد بالصالة إذا احتجتم أي شيء

نظر إلى مشيرة فأشارت برأسها بعلامة الموافقة ولكن خالد قال له

- هل كنت تعرف الحاج إبراهيم يا أستاذي الفاضل

- نعم، كنت أعرفه وقابلته كثيرا، أن مشيرة تعمل عنده منذ فترة طويلة وكان رجلا فاضلا، ولكن لم أتدخل في عمله، لقاءاتنا كانت مجرد جلسات سريعة في الشركة أو القهوة المجاورة

نظرت مشيرة بعينين مفتوحتين إلى خالد ومحمود خوفا من فتح موضوع الصور وفهما قصدها. قال خالد بابتسامة رقيقة

- لا أريد إزعاج حضرتك أكثر من ذلك وكفى ما نسبته للأستاذة مشيرة ولكن نلجأ إليها لمراجعة أي معلومة عن الحادثة

- لا، إطلاقا، نحن في خدمة العدالة

استأذن الأستاذ رفعت وانصرف، تابعته مشيرة بعينيها حتى انصرف

- أشكركم على عدم فتح موضوع الصور أمامه فهو لا يعلم شيئا

أضاف محمود بينما خالد كان ينظر إلى هاتفه المحمول

- لقد فهمنا من نظرتك أنك لا تريد الحديث في هذا الأمر، لا تقلقي، كل شيء تم محوه ولن يجد وقتا لفعل أي شيء آخر

نظرت إليه وهي تبتسم، بينما ظلت عيناه تتعلق بعينيها التي لم تفارق عينيه. قد تعجز الكلمات أحياناً عن وصف أحاسيسنا ومشاعرنا، لكن لغة العيون تأتي لتترجم بسحرها ما يجول في العقل ويشعل القلب، من مشاعر الودّ والإعجاب والاستلطاف نحو الجنس الآخر، فسهام الحب التي لا تقاوم تبدأ من نظرة بها بريق ولفت انتباه، تُسعد الروح وتجعلنا نتبادل النظرات مع من نحب، تلك النظرات التي تعبر بدرجة كبيرة عن شيء ما يجذبنا للطرف الآخر، وهذه النظرات مثل المرآة تُغني عن أي كلمات وتعكس مشاعر الحب والإعجاب دون الحاجة إلى الكلام. لاحظ خالد لغة العيون بينهما فارتشف بعض القهوة وقال

- سلمت يد من جهزها

ابتسمت مشيرة وقد أصابها الخجل وقالت

- لم يتذوق أحد القهوة من يد أمي إلا وشكر فيها

ارتشف محمود رشفة وابتسم وقال

- بالفعل أنها مضبوطة تماما

تابع خالد حديثة مع مشيرة

- هل تعتقدين أن جابر كان شخص مريض؟

كانت تجيب خالد، بينما تختلس النظرات إلى محمود الذي كان جالسا مثل التمثال ناظرا إليها مع الفارق أنه يحتسي القهوة، قالت مشيرة

- كثيرا ما كان يتصرف بشكل غريب ويضحك على سبب تافه جدا حتى تلمع عيناه، أحيانا لا يحضر إلى العمل ويظل حبيس منزلة يومين أو أكثر

- ماذا عن سلوكياته مع باقي العاملين ومع الحاج إبراهيم؟

- كان يتكلم عنهم بشكل سيء في غيابهم فقط

- كيف؟ أرجو أن تساعدين في رسم شخصيته ووصفها بدقة

- على سبيل المثال، كان يقول إن العاملين كساب ونجاح يحضرون نساء ليلا إلى المخزن، كذلك يقول إن عبد الجواد يعلم ذلك ويشاركهم في الأمر. كان يقول إن عبد الجواد يرسل زوجته للحاج لتخفف عنه. كان يقول إن الأستاذ صابر يسرق الحاج إبراهيم بالتلاعب في حسابات الشركة.

- بمعنى أدق كان يشك في كل من حوله

- تذكرت قال لي إن الحاج إبراهيم يقف عائقا أمامه ليقترب مني وحاولت إقناعه أنني أعتبره أخا لي ولكن كرر هذا الأمر أكثر من مرة، بل وقال إن الحاج يريد أن يأخذني لنفسه.

- هل كان يتناول أي أدوية؟

- لم ألاحظ أنه كان يأخذ أي أدوية أمامي ولكنه كان يطلب من أحدهم أن يبحث له عن دواء معين وعندما عرضت عليه أن يساعده في الحصول عليه وسألته عن المريض، فرفض معللا أن الأمر غير هام وان الدواء لأحد أصدقائه.

- بعد أن حصل على الصور كيف هددك بها وماذا كان يطلب منك؟

- وضع الصور ومقاطع الفيديو على أسطوانة وحضر إلى الشركة وسلمها لي قال لي شاهديها. اتصلت به بعد أن شاهدت الأسطوانة ووجهت له السباب والتوبيخ ولكنه كان يرد علي ببرود ويتغزل في جمالي وكلام آخر لا أستطيع أن أقوله

- هل كان يريد منك الارتباط مقابل الصور؟

- لا بل كان يريد مني أن اذهب إليه شقته

توقف خالد عن الكلام وأشار لمحمود إن كان يود أن يسألها عن شيء فقال محمود

- لماذا لم تقولي كل ذلك في المحضر؟

كنت اخشي لو تكلمت أن يظهر الصور ويسبب لي الفضيحة

- لماذا فعلها إذا وأنت لم تتكلمي؟

- لأنه طلب مني شيئا ورفضت أن أنفذه له

- أن تذهبي إلى شقته؟

- لا، أن أسافر معه للخارج

نظر خالد إلى محمود ثم زفر زفرة وقال لمشيرة بصوت حاد

- لماذا تعطينا المعلومات بالقطارة، معلومات مهمة مثل هذه تخفيها؟ لماذا؟

انهارت مشيرة وكتمت بكائها

- لو أن سيادتك تضع نفسك في مكاني، بنت تخاف من الفضيحة فستقوم بعمل أي شيء لتمنعها، ثم إنني لم أتوقع أن تكون المعلومات مهمة لهذا الحد

قام محمود بالتدخل لتهدئة خالد الذي أدرك أنه انفعل بشكل حاد وقال

- عذرا يا مشيرة ولكن هذه معلومة مهمة جدا ولولا أن محمود تطرق إليها لما ذكرتها

- لا عليك يا أفندم، أقدر مجهودك وحرصك على الوصول للحقيقة واعدك أن أقول أي شيء أتذكره عن جابر

ارتفع رنين هاتف محمود، التقطه ثم استمع إلى محدثة وأغلق الهاتف ووقف ثم قال لخالد

أخبرتني الحراسة هنا أمام منزل مشيرة أن هناك شخص ما يحوم حول المنزل

قام خالد بسرعة بتوجيه مشيرة ووالديها وإخوتها وطلب منهم أن يتجمعوا بغرفة ما ولا يتحركوا وطلب من محمود أن يظل معهم لحمايتهم بينما تأهب هو لاستقبال الضيف. شعرت الأسرة بالخوف ولكن محمود طمأنهم أن حضورهم كان خطة لاصطياد الجاني وهناك قوات حماية تحيط بالمنزل ولا قلق إطلاقا وان هذه إجراءات وقائية لا أكثر.

لم يكد ينتهي من كلامه حتى ارتفع رنين هاتفه وأخبرته المراقبة أن الضيف شعر بقلق وركض بعيدا وخلفه العقيد خالد فطلب منهم أن يحضروا إلى الشقة لحماية مشيرة بينما ذهب هو لينضم لخالد وما هي إلا دقائق إلا واتصل محمود بمشيرة يطمئنها أن خالد قبض على جابر وأن الحراسة ستظل أمام المنزل للحماية. تعجبت وقالت له كيف تم القبض على جابر سريعا هكذا فقال لها إنه بمجرد إن خرج من المنزل شاهد خالد يمسك بجابر من ملابسه ويجره على الأرض وملامح جابر لا تظهر من كثرة الدماء على وجهه. ابتسمت مشيرة بعد أن اطمأنت وأخبرت والدها أن جابر هو القاتل وكان يحوم حول المنزل لأنه يريد أن يتزوجها وظن أنهم لم يكشفوا أمره وطمأنته أن جابر تم القبض عليه. اتجهت إلى غرفتها بعد أن تأكدت من أن كل شيء أصبح على ما يرام ثم وقفت أمام المرآة واقتربت منها، تحسست بشرتها، خلعت وعيناتها، أطلقت العنان لشعرها وظلت تهزه يمينا ويسارا. المرأة هي المرأة، وسط كل هذه العواصف وجدت نسيم كبريائها كأنثى يجري ورائها أحدهم ويلاحقها آخر بنظراته إلا أنها اختارت من طرق قلبها وتنفست عبير حبه ولم تمنعها العواصف عن الشعور بتلك الأنفاس الباردة التي تداعب قلبها في تلك الليلة. ابتعدت قليلا عن المرآة وتمتمت لماذا أنا سعيدة هكذا، هل بانتهاء الكابوس الذي ظل يطاردني لفترة طويلة أم لأنني وجدت فارسي. توقفت عن الكلام واتجهت إلى المرآة مرة أخرى ثم تمتمت احذري يا مشيرة، ربما هو فارس حقا ولكن ربما أنت لست جواده. أنا لا احلم بفارس يخطفني بل احلم برجل يحتويني.

التنقل السريع