25
حين تنبت الفرحة وسط الأحزان
اتجه محمود إلى خالد بالسؤال
- هل يمكنني أن أسألك سؤال واحد؟
- تفضل
لماذا كنت تنظر لمشيرة وتدقق فيها
عند زيارتها؟
توقعت أن تسألني هذا السؤال ولكنه
جاء متأخرا، بعض الناس تبدوا أمامك ككتاب مفتوح يمكنك قراءته، يمكن أن تعرف إذا
كان سعيدا أم حزينا، مهموما أو متصالحا مع نفسه راضيا بهمه. كنت أدقق فيها لأحاول
فهمها، هل تخبئ عنا شيئا، هل تخفي أي معلومات عن جابر أم أنها مسألة وقت وتخرج ما
بداخلها.
ترك خالد مكتبه ثم بدأ يتحرك في
الغرفة ممسكا بقلم بين أنامله
وقد تحقق ما توقعت وأخرجت ما
بداخلها، لقد تكلمت لترتاح، كانت خائفة، بل كانت مرعوبة، والآن بعد أن اتصلت بها
أنت فليس من المستبعد أن تجدها تتصل بك وهي تنتشي من الفرحة لتشكرك على وقوفك بجانبها
ومساعدتها
لم ينهي خالد كلامه حتى سمع طرقات
الباب والحارس يبلغه أن إحداهن وتدعى مشيرة تريد الدخول إلى المكتب
نظر خالد إلى محمود الذي ابتسم وقال
- من الواضح أنك تقرأ الناس جيدا
دخلت مشيرة وهي تبتسم وترسم فرحة
على شفتيها وليست مجرد ابتسامة. لقد كانت متألقة حقا. كان هذا الكم من الفرحة
بداخلها كالمارد الذي يريد الانطلاق وكأن سجانها يمسك بمفاتيح الأبواب بكلتا يديه،
وها هو السجان قد ذهب بلا عودة فلا داعي للحزن.
كانت مشيرة تنظر إلى محمود وتركز
بصرها عليه وهي تدخل من الباب، تريد أن تقول له أريد أن أتحدث إليك وحدك، تقول ذلك
بعينيها فقط، ورغم ذلك فهم خالد قصدها فتحجج بأن اللواء الأسيوطي أرسل في طلبه
لينصرف ويتركها على راحتها مع محمود. نظر إليه محمود يستجديه أن ينتظر لأنه يخشى
شيئا بداخله ولكن قد فات الأوان وانصرف خالد من المكتب ولكن قبل أن ينصرف همس في
اذنه "أستضيفها في مكتبك وسوف أفهمك فيما بعد". تعجب محمود من طلب خالد
ولكنه لم يجادله ثم أخبر مشيرة دعنا نكمل حديثنا في مكتبي. توجها إلى مكتبه ودعاها
محمود إلى الجلوس، جلست مشيرة أمامه، نظرت إليه وتوغلت داخله، شعر بتوغلها وكأنها
تلمس قلبه الذي لسعته نسمة باردة. حاول أن يبادر بالحديث ولكن عينيها عقدت لسانه
فلم يجد ما يقول. أراد أن يهرب إليها من خجله، يهرب إلى قلب ينبض بحياة مشتعلة،
يهرب إليها ليحترق بحبها. توسل لها في داخلة لتتوقف عن اختراقه بعينيها. أدركت هي
أنه تعمد أن يوصل له رسالة وقد فهمتها، فهي لبيبة واللبيب بالإشارة يفهمُ. قالت
وهي تحاول الابتسام:
- لقد جئت لأشكر سيادتك على المجهود الكبير
الذي بذلته لحمايتي أنا وأسرتي، كما أشكرك على وأد الفضيحة التي كانت من الممكن أن
تدمرني في مهدها.
- لا داعي للشكر، فهذا من واجبي، ولو كنت
أخبرتني بهذا الأمر ولو بشكل شخصي كنا تداركنا الأمر وقبضنا على ذلك المخبول قبل
أن يقدم على ما فعله ولكن الحمد لله على كل شيء.
- الحمد لله، ما أسعدني حقا هو وقوفك بجانبي
ولم تتغير نظرتك إلى على الرغم مما حدث.
لم يستطع محمود أن يتحمل صمته أكثر
من ذلك، فقال:
- أحبك، منذ أول يوم رأيتك واراكِ مختلفة عن
كل فتاة رايتها من قبل، شعرت بشيء يخترق قلبي، سهام عينيك اخترقت كل حواجزي حتى
استقرت في قلبي.
ظهر قوس قُزح على وجهها، فلم تتوقع
أن يقول ذلك بهذه السرعة، لو انتظر قليلا، ربما كان قد سمعها هو، حاولت التماسك
وقالت:
- ما أعرفه أنك ضابط وليس شاعرا أيضا
- الحب ينطق الحجر، وأنا لا أجد تفسيرا
لحالتي إلا أنني غارقا في حُبك حتى الثمالة، منذ أن رأيتك وأنا أدعو الله أن تأتي
اللحظة التي أعبر لك فيها عن مشاعري تجاهك.. (قاطعته مشيرة)
- ألا تشعر أن المكان هنا غير مناسب
- لا أرى ولا أشعر بغيرك وأنا معك ولكن اسمحي
لي أن نذهب إلى أي مكان ونتكلم
- في الحقيقة أنا لا اخرج لأي مكان مع أي أحد
- وهل أنا أي أحد، فقط مرة واحدة، نتقارب
ونقترب من بعضنا أكثر، أريد أن اسمع منك، أعرفك أكثر وهي فرصة تعرفيني أيضا
- حسنا، ولكن هذا وعد أنها الأولى والأخيرة
- أعدك المقابلة الثانية ستكون في منزلكم
ابتسمت ثم وقفت وهي تنظر إليه،
بينما مد يده ليصافحها فمدت يدها فالتقطها ولثمها بتؤدة، فأحمر وجهها خجلا
واستأذنته وخرجا معا.
