القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

حلمي حلمك - الفصل الخامس عشر

  

(15)

 تتوالى عطايا القدر بفرص جديدة للحياة

فالبعض يقبلها، و البعض يرفضها، وآخرون يترددون


 
 

(عام 2018)

تحرك زياد ثم جلس خلف مكتب كبير، الغرفة كبيرة واسعة، الاثاث حديث، هناك  بعض اللوحات لأشكال هندسية وتصميمات تُزين الجدران. يوجد نموذج مجسم لمشروع (ماكيت) فوق منضدة كبيرة بمنتصف الغرفة. انتظر زياد دخول الموظفين من مهندسين واداريين واحدا تلو الاخر ثم قال وقد بدا عليه التأثر

- يؤسفني أن أُبلغكم أننى اتخذت قرار بإنهاء نشاط المكتب ( ارتفع صوت الهمهمة بين الجمع بين استنكار ودهشة وتساؤل )

لكن اشار زياد بيده ليستمعوا له ثم اضاف

- اعلم انكم تريدون معرفة الاسباب وهذا حقكم علي. لقد حاولت كثيرا ان اتخطى المشكلة والخطر الذي اتعرض له ولكن هناك تهديد اكبر مني (يرتفع صوت الهمهمة مرة اخرى). منذ ما يقرب من شهر وأنا اتعرض لتهديد بالقتل، الذي يهددني يعلم عني كل  صغيرة وكبيرة وتصله اخبارى وتحركاتي سواء هنا او في اي مكان، وهذا يعني اني مراقب، يهددني بالقتل ويبتزني لان ادفع له عشرة ملايين جنيه، هذا فوق طاقتي ولا قدرة لي عليه لذلك قررت تصفية اعمالي والسفر إلى إحدى الدول الاجنبية. أنا على يقين ان تفاصيل هذا الاجتماع سوف تصل لمن يهددني كما كانت كل تحركاتي ومقابلاتي ومشاريعي الحالية و المقبلة تصل اليه، أنا لا اتهم احد منكم ولا اهتم ان كان حديثي هذا سيصل لهذا المجرم او لا. اتخذت القرار وسوف اقوم بتنفيذه، بل وبدأت بالفعل وخلال يومين لا اكثر سوف يستلم مكتب احد اصدقائي المشاريع الحالية لاستكمال تنفيذها والمشاريع المقبلة لتنفيذها. أما بالنسبة لكم فسوف اجتمع بكل واحد منكم كي استلم منه ملفاته وسوف تجدون راتبكم جاهز في بطاقة الائتمان (الكريديت كارد) أول كل شهر لمدة شهرين حتى تجدوا عمل اخر. لقد طلبت منكم جميعا ان تثبتوا تطبيق للموبايل خاص بالمكتب على اجهزتكم المحمولة .هذا التطبيق يتيح لكم التواصل معي في الخارج لأرسل لكم بعض المشاريع والمهام للعمل فيها والقيام بها من المنزل بنظام العمل الحر عبر الانترنت (الفريلانس) ، العمل للجميع وسوف يكون المقابل مجزي جدا ، سنعتبر انفسنا نعمل ولكن بدون مقر للشركة ، سنعمل من المنزل. جزيل الشكر لكم على ما قدمتموه من جهد في هذه الشركة وما عهدته منكم من التزام وإتقان للعمل وان كان بيننا من يسرب معلوماتنا فانا اعذره فربما يكون مهدد هو الآخر. أخيرا أقول لكم ان كل شيء قسمه الله لنا خيرا ولا احد يعلم الخير إلا الله. ، شكرا لكم، يمكنكم الانصراف ولينتظر الاستاذ عطية مدير الحسابات، ولا ينصرف أحد منكم اليوم إلا بعد اجتماعي معه لاستلام منه ملفاته.

انصرف العاملين من موظفين ومهندسين وكان بسام ومعتز يجلسون في غرفة مغلقة داخل الشركة، كان بسام يتابع كاميرات المراقبة، معتز يتابع الهواتف. من خلال كاميرات المراقبة شاهد بسام احد الموظفين الإداريين يخرج في احدى الطرقات ويطلب رقم ما وعلى الفور كان الرقم مراقب من جانب الجهات الامنية كما أخبره اللواء حلمي، وأيضا من خلال معتز الذي اخترق اجهزتهم عندما قاموا بتثبيت التطبيق الذي كان زياد قد اخبرهم بتحميله. سمع معتز وبسام الموظف يقول " توعدني بمائة الف جنية وأنت ستأخذ منه عشرة ملايين جنيه " ثم يصمت الرجل لبرهة ثم يقول " أنا أحمق " حسنا سوف أُبلغهم و أعترف بغلطتي وندمي وأرشدهم عنك. كان هذا الحديث كافيا لمعرفة مكان العصابة ومعرفة هوية الخائن في مكتب زياد.

بعد دقائق كان هناك ضابط وبعض أفراد الأمن يقبضون على هذا الخائن ويتوجهون به إلى مديرية الأمن وتم مواجهته بما سجلته الاجهزة واعترف بخيانته وقال انه كان يقابلهم في مكتب استيراد وتصدير بالمهندسين وأرشد عنه. بالطبع كانت العصابة اتخذت احتياطاتها وفهم مروان من مكالمة الموظف الخائن انها كانت فخ اعده زياد للإيقاع بهم وقاموا بترك الشركة وهربوا إلى احدى الشقق الاخرى.

قام زياد بالاتصال باللواء حلمي للاطمئنان منه ، فاخبره انهم حددوا بعض الأماكن وبعض الأرقام التي كانوا يتصلون بها وسيتم إجراء تحريات واسعة. ثم طلب زياد من معتز وبسام الإنصات له ويبدو عليه التأثر كأنه مقدم على اتخاذ قرار مصيري،  ثم قال

- لقد وجدت منك يا معتز نعم الصديق المخلص الذي لا يتأخر أبدا في مساعدة صديقة، بل لقد وجدت مدى تفانيك في مساعدة من حولك ورغم انى اعرفك منذ وقت قصير إلا أنك عندي بمنزلة الاخ، سأخبرك بأمر وارجوا ان تعتبره سرا يكاد يكون بالنسبة لي مسألة حياة أو موت، وما كنت لاخبرك به إلا لثقتي بك – ثم بدأ يقص عليه حكايته

عندما انتهى زياد من حديثه، قال معتز

- اراك متأثرا بكونك يتيم وأن عمي عصمت من قام بتربيتك، هذا ليس عارا تخشاه ، ليس لك سبب في انك تربيت في دار للأيتام فأي منا كان معرض ليكون كذلك، الأهم من ذلك هو من أنت وأنا أراك رجلا ناجحا اقتنص فرصته في الحياة، رغم اني اعرفك منذ فترة قصيرة إلا أنني لم ارى احدا يكرهك حولي ولم أراك تفعل خطأ امامي. صدقني يا زياد، كثيرا منا يتمنون ان يكونوا ايتام ويدخلون دار ايتام تهتم بهم بدلا من آباء يلقون بهم  إلى الشارع ليكون مصيرهم التسول او يلتقطهم تجار الاعضاء او ينشئون في جو البلطجة و المخدرات. اذا نظرت حولك ستجد اطفال كثيرون لهم اباء لا يستحقون كلمة أبي. لا تعتبر ذلك عارا بل اعتبرها فرصة للحياة.

قام زياد وعينيه تملاها الدموع وقد تأثر بكلام معتز واحتضنه  وكذلك معتز اغرورقت عيناه بالدموع ثم قاطعهم صوت بسام الذي وضح عليه التأثر ولكن طبيعته المرحة تقاوم ذلك

- لم اراك تتحدث مثل الفلاسفة من قبل يا معتز، فما اعرفه عنك أن راسك ليس فيها إلا الحاسب وكيس (شيبسي) او وجبة (ماك)

وهنا جفف الجميع دموعه وابتسموا وعادوا إلى ما كانوا عليه.

من جهة أخرى كان عصمت قد قام بزيارة السيدة حياة في مكتبها بالجمعية الخيرية وتناقش معها في تفاصيل مشكلة زياد وأخبرته بالمعلومات التالية

- منذ فترة اردت أرشفة بيانات الدار على الحاسب الآلي بدلا من الدفاتر الورقية التي تبلى وتهلك وكان في زيارة الدار ابن من ابنائها يدعى جاسر وقال انه مستعد لعمل هذا مجانا من خلال شركة الحاسب التي يمتلكها ووافقت وأعطيته الدفاتر على دفعات وقام بالفعل بأرشفتها وإعادتها الي الدار.

- وهل بيانات كل من كان في الدار مسجلة في قاعدة البيانات ؟

- نعم، وكذلك وسائل التواصل معهم حتى بعد أن تركوا الدار

- إذن زياد كان من ضمن المسجلين في قاعدة البيانات

- بالفعل ولأنه كان يتواصل مع الدار بعد ان تركها فكل بيانات التواصل معه موجودة ايضا

- إذن جاسر من أفراد العصابة التي تهدد زياد

- لا اعلم إن كن له علاقة أو لا

- هل من الممكن ان تعطيني بيانات جاسر ؟

حسنا سأبحث عنها، ارجوا الانتظار لدقائق.

قامت السيد حياة بالبحث على الحاسب فلم تجد بيانات عن جاسر وكذلك بحثت في الدفاتر الورقية فلم تجد أي بيانات عنه فقالت

- يبدوا ان استنتاجك صحيح وان جاسر له علاقة بمشكلة زياد

ابتسم عصمت ثم قال بهدوء

- لقد قاموا بمسح بياناتهم من قاعدة البيانات على الحاسب او لم يسجلوها من الاساس وقاموا بقطع الصفحة المسجله بها بياناتهم من الدفتر الورقية.

- بالفعل، ومما يؤسف له أنه لا يوجد نسخ ورقية اخرى من الدفاتر الخاصة بوسائل التواصل مع أبناء الدار.

- لا عليك، سأصل اليهم، الان عرفت كينونتهم وبدأت الأمور تتضح اكثر، اشكرك.

حياها عصمت وانصرف وقبل ان يركب سيارته اخرج هاتفه واتصل بحلمي واخبره بما وصل له وكذلك سمع منه ما حدث بمكتب زياد. بدا علية الاهتمام ثم ركب سيارته وانطلق بها حتى وصل إلى شركة زياد  وكان في انتظاره زياد وبسام ومعتز الذين جمعوا أكبر قدر من المعلومات عن العصابة وكانت مفاجئة لعصمت عندما سمع منهم وعلى الفور اخبرهم انهم سينتظرون اللواء حلمي القادم في طريقة إلى الشركة، وما هي إلا دقائق وانضم اليهم اللواء حلمي الذي استمع إليهم وإلى المعلومات التى عرفها  عصمت من السيدة حياة وتحدث قائلا

بعد الاستماع إلى المعلومات التي عرفها عصمت من السيدة حياة، (توقف ثم نظر إلى زياد فأشار له زياد باستكمال الحديث حيث ان معتز وبسام على علم بكل شيء) و المعلومات التى وصل اليها زياد ومعتز وبسام، بالإضافة إلى المعلومات التى جمعناها من التحريات والاستماع إلى المكالمات، وصلت إلى ان  العصابة تتكون من بعض الافراد الذين كانوا بدار الايتام ووقعت ملفات أبناء الدار في ايديهم فاستغلوها اسوأ استغلال، كانوا يبحثون في البيانات عن الأثرياء من أبناء الدار، من نجحوا في حياتهم، او من تبناهم أثرياء وبالطبع كان من بينهم زياد، كانوا يتصلون بهؤلاء الذين وقع عليهم الاختيار ويبدءون في تهديدهم و ابتزازهم بفضح ماضيهم مقابل نقود او شراكة معهم ؛ وقد تقدم العديد من رجال الاعمال ببلاغات ضدهم ولكن بدون معلومات كافية عنهم وكانت مشكلة زياد هي القشة التي قسمت ظهر البعير وكشفتهم. لقد قاموا بالعديد من الجرائم ويتم الان تضييق الخناق عليهم وقبل وصولي اليكم تلقيت اتصال من بعض ابنائي ممن يتولون القضية يخبروني انه تم تحديد مكان العصابة في احدى الشقق السكنية بمنطقة مدينة السلام وتتحرك قوة للقبض عليهم و حمدا لله فقد اقتربنا من حل المشكلة.

انتهى حلمي من كلامه وانفرجت اسارير زياد وأضاف عصمت

- لقد كان كابوسا بالفعل، ولكن نحن في المدارس نتعلم ثم نمر بالاختبار أما في الحياة فنمر بالاختبار أولا لنتعلم منه. سوف أقوم بإنشاء قسم خاص بالدعم المعلوماتي بشركة الحراسة وأتمنى ان يعمل معتز وبسام معي وسوف يترأس كل واحد منكم قسم خاص به، بسام يتولى الكاميرات والمؤثرات الصوتية والبصرية طبقا لتخصصه ومعتز يتولى أجهزة الحاسب الالي و الهواتف المحمولة، لا تظنوا انني أقول ذلك لأرد لكم الموقف مع زياد فانا لا اخلط بين المواقف وانتم بالفعل تستحقون ذلك وأنا احتاج إليكم، ما رأيكم

بادر زياد بقوله

- بالتأكيد موافقون وهل يمكن ان يرد أصدقائي لأبي أي طلب

اضاف عصمت

- وغدا انتظركم بالشركة لأخبركم بأول المهام التي ستقومون بها. يرتفع رنين هاتف حلمي ويرد سريعا ثم ينهي المكالمة ويبتسم ثم يقول

- انتهى الأمر، ان افراد العصابة قاوموا الشرطة وأطلقوا النار على القوات ولكن القوات تعاملت معهم وتم القبض عليهم، بالطبع هذه جريمة اخرى تضاف إلى جرائمهم لتزيد من عدد سنواتهم بالسجن.

بدت الفرحة على الجميع ثم قام حلمي وطلب من عصمت ان يصحبه إلى المستشفى للاطمئنان على أسيل، وعلى الفور اصطحبه عصمت للخارج وبعد انصرافه  تساءل بسام ومعتز عن أسيل، فجاءهم رد زياد " قابلتها من قبل ولكن لم تشأ الظروف ان نقترب اكثر ولا اعرف الكثير عن تفاصيل حياتها ولكنها فتاة استثنائية ".

توجه حلمي وعصمت إلى المستشفى فوجدا الطبيب المعالج لأسيل والمتابع لحالتها واخبرهم ان أسيل ستخرج غدا صباحا ويمكنهم الترتيب لذلك. ثم سألوه عن امكانية رؤيتها فسمح لهم واخبرهم أنها استيقظت وحصلت على وجبة غذاء كذلك وأصبحت حالتها جيدة. دخل عصمت إلى غرفتها وتبعه حلمي وجلس عصمت بجوارها وقبل رأسها وكذلك حلمي فعل مثله وطمأنتهم انها اصبحت بحالة جيدة ويمكنها الخروج. اخبرها عصمت أنهم اكتشفوا من حاول التخلص منها ومن يساعده، الشخص الذي يساعد هذا المجرم قريب جدا منها، ثم اخبرها انهم اعدوا خطة لكشف من حاول قتلها وعليها ان تساعدهم. ابدت أسيل موافقتها وطلبت منهم شرح الخطة ودورها فيها، نظر عصمت إلى حلمي وبدأ عصمت يقص عليها الفكرة بالتفصيل.

التنقل السريع