القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

حلمي حلمك - الفصل السادس عشر

   

(16)

الصديق وطن صغير ، وما اجمله بنكهة اخ ، يحيك جروحك ويقتسم ابتساماته معك

 



  (عام 1990)

بعد ان انتهى عامر من سرد حكايته نظرت اليه سلمى نظرة عميقة وقالت

- هل تسمح لي ان اسألك سؤال؟

- تفضلي

- لماذا ربط حمدان مصيره بمصيرك فهو لم يقتل وكان من الممكن ان يعود لأهله؟

- من يجاوب هو حمدان نفسه، وبالتأكيد سوف تقابليه قريبا. ثم نظر في اتجاه باب المطعم وابتسم ثم قال

- يبدوا انك لن تنتظري حتى تسمعي رد على سؤالك

- ماذا تعني؟

- انظري (ثم اشار تجاه الباب)، انه حمدان قادم على غير عادته.

نظرت سلمي حيث أشار عامر فوجدت رجلا في العقد الخامس يرتدي البذلة طويل القامة ويمسك بيده عصا او عكاز  يبدوا انه يستخدمها للاتكاء عليها، خمري البشرة مائل للسمرة قليلا، ملامحه هادئة، زحف الشيب على شعره ؛ ولكن لم يصبه الصلع بشكل كبير مثل عامر ، كان يقترب وترتسم على وجهه ابتسامة رقيقة، اقترب من المنضدة التي يجلسون عليها، وقف عامر ليصافحه

- مرحبا حمدان،  تفضل

يصافحه ثم يشير إليه بالجلوس وتمد سلمى يديها لتصافح حمدان ثم يضيف عامر

- سلمى، قد حدثتك عنها كثيرا، هل تتذكر

- بالتأكيد، لقد شوقتني ان اراها من كثرة كلامك عنها، لكن وصفك لها اقل كثيرا من الحقيقة

- إنها فرصة سعيدة ان التقي بك سيد حمدان

- وأنا سعيد أيضا برؤيتك

كاد حمدان ان يستطرد ولكن عامر قاطعه

- من الغريب ان تأتي في مثل هذا التوقيت، اعلم انك تنام مبكرا

- أردت ان أحدثك في أمر هام ولكن هاتفك مغلق فعلمت من الفندق انك هنا. وبالطبع التمس لك العذر (ثم ينظر لسلمى ويبتسم)

- لقد قصصت على سلمي حكايتي وأرادت ان تسألك عن شيء

عقد حمدان حاجبيه وهم ان يقول شيئا ولكن قاطعه عامر

- لا تقلق، سلمى اصبحت قريبة جدا مني وإذا وافقت سنتزوج

تغير وجه سلمى إلى اللون الأحمر علامة على الشعور بالخجل ولكن حمدان شعر بها وبادر بقوله

- ما هو السؤال الذي تريدين جوابه

لملمت سلمى خجلها وقالت

- عندما سمعت من عامر قصته، شعرت بالدهشة لأنك ربطت مصيرك بمصيره، رغم انك لم تقتل او تضطر إلى الهروب من أي شيء

صمت حمدان لدقائق كأنه يستدعي شيئا من الماضي ثم اردف

- انا وعامر أصدقاء منذ الطفولة، ما كنت اخطو خطوة الا وهو معي، كنا نلعب، نأكل، نذاكر، نهرب من المدرسة، لا تندهشي، حتى عندما وصلنا مرحلة المراهقة خضنا تجربة الحب معا.

ترك عامر كوب ماء كان يشربه وقاطع حمدان قائلا

- ولماذا هذه الفضائح، ليس ضروري ان تحكي هذه الفترة

ابتسمت سلمى وقالت

- كيف ذلك، احببتم نفس الفتاة

يضحك عامر وحمدان الذي استطرد

- بل احببنا اختين، وتخرجنا من الجامعة وبحثنا عن عمل، باختصار كنا جسدين بروح واحدة، لم اتصور حياتي بدونه قط، أظن أنني ارتبطت به لأن والدي توفاه الله ولحقت به أمي وأنا في المرحلة الثانوية وكنت اصغر اخوتي، وكان ابي – رحمه الله – يمزح معي ويقول " لقد جئت غلطة بعد ان أوقفت امك الحمل بخمسة عشر عاما "، لذلك كان ومازال عامر هو صديقي واخي وكل عائلتي. صدقيني لن تجدي بين البشر مثل عامر ، اتزان في التصرفات، رجاحة في العقل، لا يعرف معنى التردد، طموح لا نهاية له، رضا بقضاء الله، شخصية متزنة، طيبة، مرحة، لا يحب النكد او الهم ولو كان يحمل هم الدنيا بداخله.

اخجلتم تواضعنا، قال ذلك عامر وهو يضبط ياقة بذلته بينما تلمع عيناه بدمعة خفية وسلمى تنظر اليه بحنان ثم تنظر إلى حمدان الذي لم يكن أفضل منه حالا ثم يستطرد

- هل شخص في مثل ظروفي ويجد شخص بهذه المواصفات ولا يتمسك به، اخوتي كلهم تزوجوا ولا يعبئون بي، أبي وأمي توفاهم الله، اخذت ميراثي القليل وبحثنا انا وعامر عن فرصة عمل في احدى الدول العربية ولما حدثت المشكلة لم اشعر ان عامر متورط بها بمفرده بل انا معه، كنت معه في السراء، فهل أتركه في الضراء ؟.

- سيد حمدان، انت صديق وفي وقد قل الوفاء في هذا الزمن.

استكمل حمدان حديثه

-   نسمع جميعا عن شريك الحياة ونحن نحصرها في الزوج بالنسبة للزوجة أو الزوجة بالنسبة للزوج ولكني اعتبر شريك الحياة هو من يشاركك إياها سرائها وضرائها، حلوها ومرها ؛ فكثيرا ما يتخلى الزوج عن زوجته ان المت بها مصيبة وكذلك العكس، فهل يعتبروا شركاء. لا تنظري اليّ على انني شخص مثالي فالذي امامك هذا (ويشير إلى عامر ) هو اكثر مثالية مني، فانا احيا. . . .

قاطعة عامر وقد ظهر عليه الاهتمام

- لا داعي لذكر هذا، ارجوك

استكمل حمدان حديثة وهو يشير بيده لعامر ان انتظر 

- فانا احيا بفص من كبد عامر ، كما تشاهدين (ثم ينظر إلى العكاز) لقد حدثت لي حادثة خطيرة هنا في تركيا فور وصولنا وأخبر الأطباء عامر ان حياتي مهددة بسبب تلف في الكبد لدي ولا أمل إلا بوجود متبرع بفص من كبده لإجراء عملية زراعة كبد وهذا هو الأمل الوحيد لبقائي على قيد الحياة ولم يتوانى عامر وخضع للفحوصات و التحاليل الطبية اللازمة ولحسن حظي وسوء حظه (يبتسم) تطابقت الشروط وتم زراعة فص من كبده في جسمي، بالطبع اخبرني بهذا الطبيب المعالج وقد اصر ان يقول لي الحقيقة رغم معارضة عامر حتى اعرف انني احيا بسببه والحمد لله انه بصحة جيدة وأنا كذلك.

تمالك عامر نفسه وقال

- حمدان هو صديقي، وطني الصغير بنكهة اخ يحيك جروحي ويقتسم بسماته معي.

- ما اجمله تعبير يا عامر ، الحمد لله أنكما بخير، حقا لم اجد اصدقاء اوفياء مثلك انت وحمدان

فاجئها حمدان بقوله

- اقولها لك يا سلمى، أنت محظوظة لان عامر يحبك.

ظهرت ألوان قوس قزح مرة اخرى على وجه سلمى ثم أدرك حمدان تسرعه فقال

- عذرا، لم اقصد ان أحرجك، ولكن استأذنك لبضع دقائق، اريد عامر في شيء هام.

قال عامر بابتسامه

- دقائق وأعود اليك، يبدوا انه امر لا يحتمل التأجيل، بمجرد ان تنتهي من العصير سأكون قد تخلصت من هذا المتطفل.

يضحك حمدان ويقول

بل قل سأتخلص من هذا " العزول"

تبتسم سلمى بينما يمسكه عامر من يده ويتجه به بعيدا نحو باب المطعم

نادت سلمى على عامر فعاد إليها فقالت له

- اريد ان اعرف ماذا حدث في قضيتي، ارجوا ان تتصل بأي من معارفك أو أصدقائك وتطمئني ، فكما اخبرتك انني حضرت مباشرة الى هنا

رد عامر وهو يحمل نفس الابتسامة

- حسنا ، سوف اتابع الامر لا تقلقي

ثم استأذنها ليلحق بحمدان

 

التنقل السريع