القائمة الرئيسية

الصفحات

صورة

اتجاه اجباري - الفصل العشرون

  

-20-

 

أحيانا تكون الحقيقة واضحة، ولكن نعجز أن نراها

لأن شريط أحداث الحياة يتحرك بسرعة


 


غادر أحمد محطة القطار ووقف بجانب كشك صغير. طلب من صاحب الكشك أن يعطيه هاتفا ليجري مكالمة منه.

بعد إنهاء المكالمة أعطى الرجل ثمنها ثم اتجه إلى الجانب الآخر من الطريق وسار قليلا ثم وجد ندى داخل السيارة فانزلق داخلها.

صافحها وقبض على يدها وقال:

- "اشتقت إليكِ"

تظاهرت ندى بالغضب وقالت:

- أأنت متأكد من ذلك، أتترك الهاتف على مقعد السيارة ولا أستطيع أن أطمئن عليك، كاد القلق والخوف عليك يقتلانني.

ابتسم أحمد وقال:

- عذرا حبيبتي، سأقص عليكِ القصة كاملة، حتى قبل أن أراكِ

قص أحمد عليها الحكاية وهي تصغي باهتمام، بينما كانت تقود السيارة حتى وصلت إلى أحد المطاعم الشهيرة. كانت تصغي إليه باهتمام وظهرت علامات الدهشة عليها تارة والخوف تارة أخرى حتى انتهى من الحكاية وقال:

- وبذلك أكون قد أخبرتك بجميع التفاصيل حتى الآن.

أشار أحمد إلى النادل وطلب اثنين من عصير الليمون وندى كانت لا تزال في دهشتها، تمالكت نفسها وقالت:

- أجد صعوبة بالغة في استيعاب هذه الحكاية.

عقد أحمد يديه أمامه وقال:

- أنا غير مقتنع بكل ما سمعته من حسام

صمت لبرهة ثم استطرد:

- لكن ربما يكون لديه أسبابه فنحن لا نعلم خفايا العمل البوليسي. ما يقلقني هو لماذا أعطاني الحقيبة في الشقة كأنها مكافأة شخصية منه هو وليست من الحكومة والبنك كما أخبرني.

نظرت ندى إلى السماء سريعا ثم قالت:

- ربما كان صادقا وهذه تفاصيل عمله.

أخذ أحمد نفسا عميقا ثم أخرجه وقال:

- ليس أمامي إلا تصديق حسام فأنا لم أخسر شيئا بل كسبت المكافأة والأهم أني كسبتك أنت يا ندى.

ظل ينظر إليها وعقله يفكر ثم قال:

- أخشى بالفعل لو ذهبت إلى مديرية الأمن أن أعرض حياتي للخطر، لقد حذرني كثيرا وقالها صريحة "لا أحد يعرف عني شيئا هناك"

وضع رأسه بين يديه ثوان وكان صامتا ثم قال:

- قد يكون حسام صادقا في قوله إن سلامتي في بقائي بعيدا عن كل هذا الخطر.

نظرت ندى أمامها وكأنها تنظر لشيء ما على امتداد البصر وقالت:

- أشعر أن الأيام القليلة القادمة سوف تتكفل بإظهار الحقيقة.

شرد أحمد وظل شاردا لفترة طويلة، أدركت فيها ندى أن عقله مشتت لا يستطيع أخذ قرار فقالت لتخرجه من حالة الصمت هذه:

- أتذكر حينما أخبرتك أنك أنقذتني؟

عاد أحمد إلى لحظتهما فأدركت أنه لم يكن معها فكررت السؤال فقال:

- نعم ولكن لم تخبريني مما أنقذتك.

ابتسمت وقالت:

- لقد أنقذتني من تامر ابن خالتي!!

جذب الموضوع انتباه أحمد فاعتدل في جلسته وقال:

- كيف؟

حافظت على ابتسامتها وقالت:

- مثلما أخبرتك من قبل، أنا تخرجت من كلية التجارة وتوفي أبي وأنا في السنة الثالثة وليس لي غير أمي ونعيش سويا وكل أقاربنا في الاسكندرية وعلاقتنا بهم مقطوعة منذ زمن، ماعدا خالتي، ولما تخرجت من الجامعة عملت في شركة استيراد وتصدير وفي الحقيقة كانت الشركة لا تصدر ولا تستورد شيئا، وعرفت في اليوم الثاني مباشرة أن غرض الشركة وهدفها الأساسي هو مزاج صاحبها وقالها لي بكل وقاحة (أنا أنشأت هذه الشركة لمزاجي الخاص) فتركتها وبحثت كثيرا عن عمل آخر فلم أجد غير عمل السكرتارية وقد أصابتني عقدة منه. نعيش أنا وأمي من معاش أبي وإيراد ايجار بيت قديم، حتى هذه السيارة كانت لأبي رحمه الله. تقدم تامر لخطبتي وكنت أؤجل الارتباط به لأني لا أحبه ولا حتى أقبله ولكن بعد أن مكثت فترة طويلة بلا عمل بدأت أمي تضغط علي لكي أوافق على الخطوبة منه، قالت لي إن فترة الخطوبة من الممكن أن تقربنا من بعضنا البعض، ولكن كان كل يوم يمر وأنا أبعد عنه أكثر من ذي قبل وكادت الحيرة تقتلني، هل أكمل معه حياتي وأنا لا أطيقه أم ماذا أفعل. كنت أخشى غضب أمي فليس لي غيرها وهي مريضة بالقلب وأخشى إن أغضبتها أن تزداد حالتها سوء. لكن بظهورك في حياتي وموقف السيارة الذي حدث وبعد أن تركني تامر دون أن يحاول إنقاذي أو حتى مقاومتك فقد أيقنت أنه غير مؤتمن علي وأخبرت أمي وخالتي بالأمر وانتهى الأمر، بذلك تكون قد أنقذتني من تامر وأنت لا تدري.

أحضر النادل عصير الليمون، شكره أحمد وانصرف النادل. انشغلت ندى بإخراج منديل لتنظيف بعض العصير الذي سُكب على المنضدة ولما انتهت نظرت إلى أحمد فوجدته شاردا مرة أخرى. نظرت في ساعتها ثم طلبت منه العودة إلى المنزل لأن الوقت مر سريعا. تعلق بعينيها ثم أعرب لها عن رغبته في مقابلة والدتها. أنارت الفرحة وجهها وعلت ابتسامتها ثم استجمعت شجاعتها وقالت:

- لن أسألك فربما كان سرا ستخبرها به.

استمر الحديث بينهما وهما يتناولان العصير. كانت رشا تراقب المشهد عن بعد وهي تبتسم.

كان رئيس العصابة قد طلب من رشا أن تبحث عن الفتاة التي ساعدت أحمد في الهرب منهم في المرة الأولى. وصلت رشا إلى عنوان ندى وظلت تراقبها حتى تأكدت أنها على علاقة بأحمد وراقبتها في كل تحركاتها. بعد أن فشلت عملية فيلا أبو العز والقبض على الرئيس وموت كل أفراد العصابة عداها هي وصبحي الذي أصيب في الاشتباك في ذراعه مع رجال حسام ولما عادت للفيلا في مدينة السادس من أكتوبر ووجدت أحمد قد تحرر والحارس غارقا في دمائه، فكرت في أن تحظى بالحقيبة التي استولى عليها أحمد في البداية. بعد أن تأكدت من لقاء أحمد وندى اتصلت بصبحي وطلبت منه مساعدتها فيما عزمت عليه. وافق صبحي أن يساعدها وأحضر رجلا آخر معه ليساعدهما في المهمة واتفق معها على أن يحصل على نصيبه من الحقيبة. أثناء عودة أحمد وندى من لقائهما هجم باقي أفراد العصابة على سيارة ندى وضرب أحدهم رأس أحمد بشدة من الخلف بمسدسه ففقد الوعي وقاومت ندى حتى عالجها أحدهم بضربة على الرأس أفقدتها الوعي أيضا. اتجهت العصابة إلى فيلا القصبجي. أفاق أحمد فوجد نفسه مكبلا ومقيدا إلى أحد المقاعد ووجد ندى مكبلة أيضا وكانت لا تزال فاقدة للوعي. حاول أحمد الصراخ ولكنه لم يقدر على ذلك بسبب الشريط اللاصق على فمه. ظهرت رشا وهي تبتسم وبيدها مسدس كاتم للصوت. نزعت اللاصق عن فمه وهي تصوب المسدس وطلبت من تفسيرا لما حدث وأي جهة يتبعها. حاول مراوغتها ولكنه خاف على ندى التي أفاقت وتملكها الرعب من هول الموقف. قال أحمد إنه يعمل مع الشرطة ولكن رشا لم تصدقه وكاد أحمد أن يقول شيئا آخر ولكن هول المفاجأة أخرسه وهناك شيء آخر أخرس رشا وهو رصاصة خرجت من مسدس حسام الكاتم للصوت. أسرع حسام إلى أحمد وفك قيده ثم إلى ندى وفك قيدها وقال له يلومه " ألم أطلب منك الذهاب إلى قريتك والاختفاء فيها حتى تهدأ الأحداث". أمسك أحمد ندى من يدها وسارا خلف حسام الذي أشار بمسدسه أمامه في حالة تأهب وحينما وجد جسد رشا يتحرك أسرع بإطلاق رصاصة أخرى على رأسها وخرجوا جميعا إلى حديقة الفيلا وكانت هناك جثتين في الحديقة ورجلا آخر مسلحا هو هشام الذي تبعهم حتى السيارة وانطلقوا بها.

كرر حسام لوم أحمد ولكنه حاول السيطرة على غضبه. برر أحمد له أنه كان يلتقي بندى لتحديد موعد الخطبة. قدم حسام وتبعه هشام التهنئة لأحمد على خطبته ولكنه طلب منه أن يسافر إلى بلدته أو إلى الخارج لمدة طويلة كي يتأكد أن الأحداث قد هدأت تماما. وعده أحمد بذلك. ساد الصمت فترة قصيرة حتى قال حسام"

- أظن أن هؤلاء الثلاثة هم آخر من تبقى من أفراد العصابة الذين شاهدوك مباشرة وتعاملوا معك، ولا أظن أن هناك أي خطر على ندى ولكن طلبي لك بالسفر أو الاختفاء ما هو إلا زيادة في الحذر.

قال أحمد يتساءل:

- كيف عرفتما ما حدث لنا وأننا في الفيلا؟

ابتسم حسام ورد سريعا:

- أمر بديهي أن الفيلا التي أرادوا أن يخطفوك فيها في المرة الأولى تحت المراقبة.

صمت أحمد ونظر إلى ندى ثم وصف المكان الذي تم خطفهم فيه وأن سيارة ندى مازالت هناك. وصلوا بالفعل لمكان السيارة وانطلق حسام وهشام ثم انطلقت ندى بسيارتها إلى المنزل. طلب أحمد من ندى أن تستريح وتهدأ لأن الخوف كان واضحا عليها. ظل معها في السيارة قرب المنزل حتى اطمأنت ثم تركها وظل يراقبها حتى صعدت للمنزل.

أشار أحمد إلى تاكسي وطلب منه أن يوصله إلى أحد الميادين وبه محطة لسيارات ركاب لتنقله إلى بلدته.

 

التنقل السريع